الطارق · الآية 9

﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ

«يَومَ»: الظَّرفُ الذي يُحَدِّدُ مَوقِعَ الرَّجع

«يَوم» في الآيةِ مَفعولٌ فيهِ مَنصوبٌ، وهو ظَرفُ زَمانٍ يَتَعَلَّقُ بِفِعلٍ مَطوِيّ. التَّقدير: يَرجِعُه يَوم. أو: ذلك يَكونُ يَومَ. الآيةُ تُكمِلُ ما قبلَها بِغَيرِ تَكرارٍ صَريح، فالرَّابِطَةُ في النَّظمِ نَفسِه.

وفي اللُّغَةِ، «يَوم» يَدُلُّ على وَقتٍ مَخصوصٍ يَتَمَيَّزُ بِحَدَثٍ كَبير. ليسَ كلَّ يَومٍ يَومَ تُبلى السَّرائِر، بَل يَومٌ بِعَينِه يَتَفَرَّدُ بِهذا الحَدَث. والآيةُ تَترُكُ تَعيينَ الزَّمَنِ مُجمَلاً، وتُحَدِّدُ ما يَقَعُ فيه فَحَسب.

«تُبلى»: الاختِبارُ الذي يَكشِفُ المَخفيّ

«بَلى» في الجِذرِ ب-ل-و يَجمَعُ مَعنَيين مُتَّصِلَين: التَّجرِبَة (بَلَوتُه = جَرَّبتُه)، والتَّآكُل (بَليَ الثَّوبُ = أَخلَق). والمَعنَيانِ مُتَّصِلانِ، لأنَّ التَّجرِبَةَ تَكشِفُ ما يُخفيهِ السَّتر، تَماماً كَما يَكشِفُ التَّآكُلُ ما تَحتَ القُماشِ من خَيطٍ ضَعيفٍ أو شِدَّة.

والصيغَةُ هنا «تُبلى» مَبنيَّةٌ للمَجهول. الفاعِلُ مَطوِيّ، والاختِبارُ نَفسُه هو الواقِعُ على السَّرائِر. وكأنَّ الآيةَ لا تَنشَغِلُ بِتَسميَةِ المُختَبِر، بَل بِما يَقَعُ على السَّرائِرِ من اختِبارٍ يَكشِفُها. ومَن يَعرفُ السورةَ ككُلٍّ يَعرفُ أنَّ الذي حَفِظَ في الآيةِ الرّابِعَةِ هو الذي يُبلي هنا.

«السَّرائِر»: ما اكتَتَمَ في الذّات

«سَرائِر» جَمعُ سَريرَة. والسَّريرَةُ من جِذرِ س-ر-ر، وهو جِذرُ السِّرّ. السِّرُّ ما اكتَتَمَ ولم يُكشَف. والسَّريرَةُ تَختَلِفُ عن السِّرِّ في أنَّها أَكثَرُ التِصاقاً بِالذّاتِ: السَّريرَةُ ما يَختَفي في صُلبِ النَّفسِ من أَفعالٍ وأَفكار. ومنها «السَّرير» الذي يُؤوى إليه في خَلوَة.

والآيةُ تُجَمِّعُ السَّرائِر، فلا تَخُصُّ سَريرَةَ نَفسٍ واحِدَة. كلُّ نَفسٍ التي علَيها حافِظٌ (الآية 4) لها سَريرَتُها التي ستُبلى. الحِفظُ والاختِبارُ يَجريانِ على نَفسِ المَوضِعِ من النَّفس. الذي يَحفَظُ السَّريرَةَ هو الذي يَكشِفُها يَوماً ما.


حَصيلة

ظرفُ زمانٍ يتعلّقُ بالرجعِ في الآيةِ السابقة: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. الإعادةُ التي أكَّدَت عليها الآيةُ الثامنةُ لها موعدٌ يتميَّزُ بحدثٍ واحدٍ بعينِه. «تُبلى» مبنيٌّ للمجهولِ من -ب-ل-و- وجذرُ البلاء يجمعُ معنيَين متّصلَين: التجربةُ التي تكشفُ المخفيّ، والتآكلُ الذي يُظهرُ ما تحت السطح، كما يُظهرُ البِلى ما كانَ خافياً تحتَ القماش. و«السَّرائر» جمعُ سريرةٍ من -س-ر-ر- ما اكتتمَ في صُلبِ النفسِ من أفعالٍ وأفكار ونوايا، أَلصقُ بالذاتِ من السرِّ. وكلُّ نفسٍ علَيها حافظٌ في الآيةِ الرابعة: ما حَفظَه الحافظُ هو ما يُبلى يومَ الرَّجع. الحفظُ والكشفُ يجريانِ على المَوضعِ نفسِه من النفس. ما حُفظَ يُختبَر.