الطارق · الآية 10

﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ

الفاءُ التي تُولِدُ النَّتيجَةَ من المُقَدِّمَة

الفاءُ في «فَما له» فاءُ السَّبَبيَّة، فقد ذَكَرَتِ الآيةُ السّابِقَةُ يَومَ تُبلى السَّرائِر، وتُلحِقُ به هذه الآيةُ نَتيجَةً تَلزَمُه: في ذلكَ اليَوم ما له من قُوَّةٍ ولا ناصِر. والرَّبطُ بِالفاءِ يَجعَلُ الإنسانَ في صورَتَين مُتَعاقِبَتَين: في الأُولى تُحفَظُ علَيه سَرائِرُه، وفي الثانيَةِ تُبلى.

والإنسانُ في الآيةِ هو نَفسُه الإنسانُ في الآياتِ السّابِقَة، الذي خُلِقَ من ماءٍ دافِق، ويَخرُجُ من بَين الصُّلبِ والتَّرائِب، وقُدِرَ علَيه الرَّجع، وتُبلى سَرائِرُه، والضَّميرُ في «له» يَعودُ إلى هذا الإنسان، فهو يُتَتَبَّعُ عَبرَ ضَمائرِ الآياتِ المُتَتاليَة، ولا يُعَيَّنُ بِاسم.

«قُوَّة» نَفيُ القُدرَةِ الذّاتِيَّة

و«قُوَّة» في العربيّةِ من جِذرِ ق-و-ي، وهي الشِّدَّةُ التي تَقومُ في الذّات، وتَمَكُّنٌ يُمَكِّنُ صاحِبَه من فِعلٍ أو دَفع. والنَّفيُ بِـ«ما له من قُوَّة» يَنفي القُدرَةَ الذّاتِيَّةَ بأَيَّةِ صورَة، قَوِيَّةً كانَت أو ضَعيفَة، فالإنسانُ الذي كانَ في الآيةِ الثّامِنَةِ مَوضوعاً لِقُدرَةِ الذي خَلَقَه يَتَبَيَّنُ هنا أنَّه لا يَملِكُ من تِلكَ القُدرَةِ شَيئاً.

واختارَتِ الآيةُ «قُوَّة» نَكِرَةً على «القُوَّة» مَعرفَة، والنَّكِرَةُ بَعدَ النَّفي تَستَغرِقُ الجِنسَ كلَّه، فلا نَوعَ من القُوَّةِ في أيِّ شَيءٍ يَستَطيعُه. ويَتَوافَقُ هذا الاستِغراقُ مَعَ ما سَبَقَ في الآيةِ الرّابِعَة: ما من نَفسٍ إلّا علَيها حافِظ، فتَتَجاوَبُ الكُلِّيَّةُ في النَّفيِ مَعَ الكُلِّيَّةِ في الإثبات.

«ناصِر» نَفيُ النَّجدَةِ من خارِج

و«ناصِر» اسمُ فاعِلٍ من «نَصَرَ»، أي أَعانَ في وَقتِ ضِيق، والنُّصرَةُ في العربيّةِ تُعطى لِمَن لا يَستَطيعُ بِنَفسِه، فإذا نُفِيَتِ القُوَّةُ الذّاتِيَّةُ ثمَّ نُفِيَ الناصِر أُغلِقَ في وَجهِ الإنسانِ بابان: بابُ الاستِعانَةِ بِنَفسِه، وبابُ الاستِعانَةِ بِغَيرِه.

وتَترُكُ الآيةُ مَفتوحاً ما لا يُغلَق، وهو الاستِعانَةُ بِالذي يُبلي السَّرائِرَ، وهو نَفسُه الذي يَحفَظُها، فالذي يُغلَقُ بابان، ويُترَكُ بابٌ ثالِثٌ مَفتوح، وستَأتي الآياتُ التّاليَةُ بِقَسَمٍ جَديدٍ يَفتَحُ السَّماءَ ويُذَكِّرُ بِمَن يَنفَرِدُ بِالقُدرَة.


حَصيلة

تُولِّدُ فاءُ التفريعِ نتيجةً تلزمُ يومَ تُبلى السرائر: فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. والضميرُ في «له» يعودُ على الإنسانِ الذي تتبَّعَته السورةُ من خلقِه إلى رجعِه. وصيغةُ «ما... من» في العربيّةِ نفيٌ مُستغرِق لا يتركُ قدراً صغيراً ولا كبيراً. و«قُوَّة» من -ق-و-ي- الشدّةُ القائمةُ في الذاتِ التي تُمكِّنُ صاحبَها من فعلٍ أو دفع، وقد جاءَت نكرةً بعدَ النفي فاستغرقَ النفيُ الجنسَ كلَّه، فلا قوّةَ من أيِّ نوع. و«ناصِر» اسمُ فاعلٍ من -ن-ص-ر-، وهو مَن يُعينُ في وقتِ الضيق، وجاءَ هو الآخرُ نكرةً فأُغلقَ بابُ النجدةِ من الخارج، فهما بابانِ في وجهِ الإنسانِ: بابُ الذات، وبابُ الغير. وهذا يَتَكافَأُ مَعَ الكُلِّيّةِ في الآيةِ الرابعة: ما من نفسٍ إلّا عليها حافظ، فالإيجابُ والسلبُ يجريانِ بالاستيعابِ نفسِه، وما يُترَكُ مفتوحاً تُلمِّحُ إليه الآياتُ التالية.