البلد · الآية 8

﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ

«أَلَم»: سؤالٌ يَحمِلُ جَوابَه

تَفتَتِحُ الآيةُ بِاستِفهامٍ داخِلٍ على النَّفي: «أَلَم»، وهذه صيغةٌ لا تَطلُبُ خَبَراً مَجهولاً، وإنَّما تُقَرِّرُ ما هو حاصِلٌ وتَستَشهِدُ بِه الإنسانَ على نَفسِه. فالسائِلُ يَعلَمُ والمَسؤولُ يَعلَم، والمَقصودُ تَنبيهُ السامِعِ لِيَنظُرَ فيما بَين جَنبَيه ولا يُنكِرَه، فـ«أَلَم نَجعَل» استِفهامٌ يَرُدُّ الإنسانَ إلى نَفسِه لِيَجِدَ الأمرَ فيها.

ومَجيءُ السورةِ إلى هذا السؤالِ بَعدَ ذِكرِ الإنسانِ في كَبَدٍ يَجعَلُ التَّنبيهَ مَوصولاً بِالحال: ذاكَ الذي يَحسَبُ أن لن يَقدِرَ عليه أحَد، يُذَكَّرُ بِأنَّ ما يَرى به ويَملِكُه ليس مِن صُنعِه. والسؤالُ يَردُّ المُدِلَّ إلى أصلِ النِّعمَةِ فيه.

«نَجعَل»: صُنعٌ يُثبِتُ في مَوضِعِه

الجِذرُ ج-ع-ل يَدورُ على وَضعِ الشَّيءِ في حَيِّزِه على هَيئَةٍ يَلزَمُها، فهو تَصييرُ الشَّيءِ كذا وتَقريرُه في مَكانِه ووَظيفَتِه، زِيادةً على الإيجادِ من عَدَم. فمَن جَعَلَ شيئاً فقد أنشَأَه وثَبَّتَه على صِفَةٍ مَقصودَة، لا عَبَثاً ولا مُصادَفَة.

والإسنادُ هنا إلى «نَجعَل» بِنونِ العَظَمَة، فالفِعلُ مَنسوبٌ إلى الصانِعِ نَفسِه لا إلى المَجعولِ له، والعَينانِ وُضِعَتا في الإنسانِ وَضعاً وقُرِّرَتا في مَوضِعِهما، ولم تَنبُتا بِاقتِدارِ صاحِبِهما. فاللامُ في «لَهُ» تَجعَلُ الإنسانَ مَحَلَّ النِّعمَةِ ومُنتَفِعاً بها، لا مالِكاً لِأصلِها.

«عَينَين»: شاهِدانِ في الوَجهِ يُثبِتانِ الحُجَّة

و«عَينَين» مُثَنّى مَقصود، عُدِلَ فيه عن الإفرادِ «عَيناً» إلى التَّثنِية، فاجتَمَعَ في الوَجهِ بابانِ لِلنَّظَر. والعَينُ من ع-ي-ن: نَبعٌ يَفيضُ ومَوضِعُ نَظَرٍ تَنفُذُ منه، والجامِعُ بَينَهما الظُّهورُ من عُمقٍ والامتِدادُ إلى الظّاهِر، فالعَينُ تَفيضُ بِالنَّظَرِ كما يَفيضُ النَّبعُ بِالماء، تَنفُذُ إلى ما حَولَها وتَرُدُّ إلى صاحِبِها صورَةَ ما لا يَمَسّ.

وَهْبُ الإنسانِ عَينَين يَجعَلُ نِعمَةَ النَّظَرِ حاضِرَةً عليه لا يُنكِرُها: بِهِما يُبصِرُ العَقَبةَ التي سَتَذكُرُها الآياتُ بَعدُ، وبِهِما يُبصِرُ النَّجدَين. فالذي أُعطِيَ ما يَرى به مَدعوٌّ إلى أن يَنظُرَ بِهِ في حالِه ومَآلِه، لا أن يُغمِضَه عَمّا بَين يَدَيه.


حَصيلة

تَجيءُ الآيةُ سُؤالاً داخِلاً على النَّفي: «أَلَم نَجعَل»، وهو تَقريرٌ يَستَشهِدُ الإنسانَ على نَفسِه لا استِخبارٌ عن مَجهول. والجِذرُ ج-ع-ل: وَضعُ الشَّيءِ في حَيِّزِه على هَيئَةٍ مَقصودَةٍ وتَقريرُه فيها، فالعَينانِ صُنعٌ ثُبِّتَ في الوَجهِ لا نَباتٌ مِن صاحِبِه. والعَينُ من ع-ي-ن: نَبعٌ يَفيضُ ومَوضِعُ نَظَرٍ يَنفُذُ من عُمق، ثَنّاهُما لِيَجتَمِعَ بابانِ لِلإبصار. فالآيةُ تَرُدُّ الإنسانَ المُدِلَّ إلى ما هو فيه من غَيرِ صُنعِه: عَينانِ مَوهوبَتانِ يُبصِرُ بِهِما، شاهِدانِ في وَجهِه على أنَّ النِّعمَةَ سابِقَةٌ عليه، ودَعوةٌ إلى أن يَنظُرَ بِهِما حَيثُ يَنبَغي النَّظَر.