البلد · الآية 7

﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ

«أَيَحسَبُ»: ظَنٌّ يَحسِبُ فيُخطِئُ الحِساب

الهَمزةُ في صَدرِ الآيةِ استِفهامٌ يَحمِلُ الإنكار: لا يُسأَلُ المُخاطَبُ ليُجيب، بل يُوقَفُ على ظَنٍّ خاطِئٍ ليُكشَفَ له خَطَؤُه. والفِعلُ «يَحسَبُ» من ح-س-ب: عَدٌّ يَجري ويَنضَبِط، يُحصي ويُقَدِّر. فمَن «حَسِبَ» شَيئاً فقد قَدَّرَه في نَفسِه وبَنى عليه، كأنَّه أجرى حِساباً وخَرَجَ بِنَتيجةٍ ركَنَ إليها.

وهنا يَقَعُ الحِسابُ على باطِل: قَدَّرَ الإنسانُ أنَّ فِعلَه يَمضي بِلا شاهِد، فبَنى على هذا التَّقديرِ جُرأتَه. فالآيةُ تَكشِفُ أنَّ الحِسابَ نَفسَه مَغلوط، لا أنَّ الحاسِبَ غافِلٌ فَحَسب: ظَنَّ أنَّه أحصى الأمرَ فأخطَأَ في إحصائِه، إذ تَرَكَ من حِسابِه شاهِداً لا يَغيب.

«لَم يَرَهُ»: رُؤيةٌ نُفِيَت في الوَهمِ لا في الواقِع

«يَرَهُ» من ر-أ-ي: إدراكٌ بِالعَينِ يَجري ويَلتَئِمُ على المَرئيّ فيَحيطُ به. ومَن رُئِيَ فقد أُحيطَ به وعُلِمَ حالُه، لم يَبقَ منه خافٍ. والنَّفيُ في «لَم يَرَهُ» نَفيٌ في ظَنِّ الإنسانِ وَحدَه: هو يَحسَبُ أنَّ لا عَينَ أحاطَت بِفِعلِه، فيَتَصَرَّفُ كأنَّ الرُّؤيةَ مَرفوعةٌ عنه.

والصِّيغةُ تُقابِلُ بَين ما يَظُنُّه الإنسانُ وما هو كائِن: في وَهمِه رُؤيةٌ مَنفِيّة، وفي الحَقِّ رُؤيةٌ مُحيطةٌ لا تُفلِتُ منها حَرَكة. فالآيةُ لا تُقَرِّرُ أنَّه لم يُرَ، بل تَحكي حِسابَه هو، ثُمَّ تَدَعُ السِّياقَ يَرُدُّه بِما يَلي: «ألَم نَجعَل له عَينَين». فمَن رُكِّبَت فيه العَينُ لِيَرى، كيفَ يَحسَبُ أنَّه يَجري بِلا عَينٍ تَراه.

«أَحَدٌ»: نَفيٌ يَستَغرِقُ كُلَّ شاهِد

«أحَدٌ» من أ-ح-د: الواحِدُ الذي لا يُثَنّى ولا يُجزَّأ. وفي سِياقِ النَّفيِ يَستَغرِقُ «أحَدٌ» كُلَّ مُمكِن: «لَم يَرَهُ أحَدٌ» تَنفي الرُّؤيةَ عن أيِّ راءٍ كانَ، لا تُبقي واحِداً يُستَثنى. فالإنسانُ في حِسابِه لم يَنفِ شاهِداً بِعَينِه، بل نَفى الجِنسَ كُلَّه: لا عَينَ البَتّةَ أحاطَت به.

وهنا مَوضِعُ الخَلَلِ في حِسابِه: استَغرَقَ النَّفيُ كُلَّ أحَدٍ، فظَنَّ أنَّه أغلَقَ البابَ على كُلِّ عَين، ونَسِيَ أنَّ «أحَداً» في إطلاقِه لا يُحيطُ به النَّفيُ إلّا إذا أحاطَ بِكُلِّ ما يَرى، وهذا ما لا يَملِكُه الظانّ. فالكَلِمةُ التي ظَنَّها تُؤمِّنُه هي التي تَفضَحُه: لِيَصِحَّ نَفيُ كُلِّ شاهِدٍ يَلزَمُ عِلمٌ بِكُلِّ شاهِد، وهذا عَجزٌ عن الإنسان.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِهَمزةِ إنكارٍ تُوقِفُ الإنسانَ على ظَنٍّ خاطِئ: «أيَحسَبُ». والحِسابُ من ح-س-ب عَدٌّ يُقَدِّرُ ويَبني، فقد قَدَّرَ أنَّ فِعلَه يَمضي بِلا شاهِد. ثُمَّ «لَم يَرَهُ» من ر-أ-ي: رُؤيةٌ تُحيطُ بِالمَرئيّ، نُفِيَت في وَهمِه لا في الواقِع. و«أحَدٌ» من أ-ح-د يَستَغرِقُ كُلَّ راءٍ، فظَنَّ أنَّه أغلَقَ على كُلِّ عَينٍ معاً. فالآيةُ تَكشِفُ خَلَلَ الحِساب: ليَصِحَّ نَفيُ كُلِّ شاهِدٍ يَلزَمُ إحاطةٌ بِكُلِّ شاهِد، وهذا عَجزٌ عن الظانّ، فالكَلِمةُ التي ظَنَّها تُؤمِّنُه هي التي تَرُدُّ عليه حِسابَه.