النَّصْب / النَّصَب
**إقامةٌ مُمسَكةٌ تَحمِل**. الجَذرُ يَرفَعُ الشَّيءَ ثُمَّ يَقبِضُ عليه فيُثبِتُه في مَوضِعِه تَحتَ ضَغطٍ يَلزَمُه، فلا يَنفَكُّ القِيامُ فيه عن الحَملِ أبَداً. ولِذلك جاءَ من الجَذرِ نَفسِه **النَّصْبُ** لِإقامةِ الرّايةِ والخَيمة، و**النَّصَبُ** لِلتَّعَبِ اللّازِم، و**النَّصيبُ** لِلحِصّةِ المَركوزةِ لِصاحِبِها. والتَّعَبُ لَيسَ مَعنىً ثانِياً عَرَضَ لِلجَذر، بَل هو **ثَمَنُ الأوَّل**: ما أُقيمَ فقد أُقيمَ على شَيءٍ يَنوءُ بِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ن: انطِباقُ طَرَفِ اللِّسانِ يَحبِسُ النَّفَسَ في الجَوفِ فيَمتَلِئُ
رَنيناً مَجهوراً لَطيفاً، ويَنفُذُ في الآنِ نَفسِه من مَنفَذِ الأنفِ الضَّيِّقِ نَفاذاً مُتَّصِلاً لا انفِجارَ فيه. شِحنَتُه: انبِعاثٌ من الباطِنِ إلى الخارِجِ مَعَ احتِباسٍ يُصاحِبُه.
- ص: إطباقٌ صَلبٌ لِأقصى اللِّسانِ على الحَنَكِ يَحصُرُ النَّفَسَ في
مَجرىً ضَيِّقٍ خَلفَ الأسنان، فيَجري منه صَفيرٌ غَليظٌ نافِذٌ مُتَّصِلٌ لا انفِجارَ فيه. شِحنَتُه: إطباقٌ صَلبٌ يُمسِكُ ويَحصُرُ في مَضيق.
- ب: التِقاءٌ رَخوٌ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ مُحتَبَساً ثُمَّ
يَنفَتِحُ عنه خارِجاً. شِحنَتُه: اتِّصالٌ وتَمَسُّكٌ مَعَ احتِباسٍ وضَغط.
النَّواةُ نَص (ن + ص) = ما انبَعَثَ من باطِنِه فأُمسِكَ إمساكاً صُلباً: لم يُترَك يَجري بَل قُبِضَ عليه بِإطباقٍ فوَقَفَ حَيثُ بَلَغ. ومنه نَصَّ الشَّيءَ رَفَعَه، ونَصَّتِ الظَّبيةُ جيدَها رَفَعَته فأقامَته. والإغلاقُ بِـب يُلصِقُ هذا المَرفوعَ بِمَوضِعِه ويُبقي عليه الضَّغطَ الذي أقامَه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: رَفعٌ يُمسَكُ صُلباً فيَقومُ في مَوضِعِه حامِلاً ما يَنوءُ بِه.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- النَّصْب: إقامةُ الشَّيءِ قائِماً. نَصَبَ الخَيمةَ أقامَها على
عَمودِها، ونَصَبَ الرّايةَ رَفَعَها فثَبَّتَها. والقائِمُ في الوَجهَينِ يَحمِلُ ما فَوقَه أو ما شُدَّ إليه.
- النُّصُب والأنصاب: حِجارةٌ تُرفَعُ فتُركَزُ في الأرضِ حَدّاً
يُعرَفُ أو مَعبَداً يُقصَد. المَقصودُ منها أنَّها لا تُنقَل، فلا يُفيدُ الحَجَرُ في هذا البابِ حتّى يَثبُتَ في مَوضِعِه.
- المَنصِب: المَوضِعُ الذي يُقامُ فيه صاحِبُه فيُعرَفُ بِه، وهو مَعَ
ارتِفاعِه مَحَلُّ تَبِعةٍ لا مَحَلُّ راحة.
- النَّصيب: الحِصّةُ المَضروبةُ لِصاحِبِها، فَعيلٌ بِمَعنى مَفعول:
المَنصوبُ لَه. وهو الوَجهُ الذي يَجمَعُ الرَّكزَ إلى اللُّزوم.
- النَّصَب: التَّعَبُ الذي يَلزَمُ البَدَنَ فلا يُفارِقُه بِراحةٍ
قَريبة. ونَصِبَ الرَّجُلُ إذا أعياهُ قِيامُه على أمرِه. وهو تَعَبُ القائِمِ على شَيء لا تَعَبُ السّاقِطِ عنه.
- نَصَبَ لَه: عاداهُ مُقيماً على عَداوَتِه. أُخِذَ من إقامةِ الشَّيءِ
لِلشَّيءِ مُواجَهةً لا تَزول.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ن-ص-ب: قِيامٌ مُثَبَّتٌ يَحمِل.
وهذا يَدفَعُ ثَمَنَه في مَوضِعٍ لا يُعطيه السَّطح. ظاهِرُ اللُّغةِ يُسَلِّمُ ثلاثةَ مَعانٍ مُتَجاوِرةٍ لا رابِطَ بَينَها: أن تُقيمَ، وأن تَتعَب، وأن تَملِكَ حِصّة. وقِراءةُ الحُروفِ تَقولُ إنَّ الثّانيَ لَيسَ مَعنىً ثانِياً بَل مُقتَضى الأوَّل: لِأنَّ ب في آخِرِ الجَذرِ احتِباسٌ وضَغطٌ لا مُجَرَّدُ إلصاق، فالمُقامُ مُقامٌ على شَيءٍ يُثقِلُه، والقِيامُ نَفسُه جُهدٌ مُتَّصِل. فالنَّصَبُ اسمٌ لِكُلفةِ البَقاءِ مُنتَصِباً، لا لِانهِيارِ المُنتَصِب.
ويُختَبَرُ هذا في المُسَجَّلِ فيَصِحّ:
أوَّلاً، ٨٨:٣ ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ لا يَتلوها سُقوطٌ ولا سُكون، بَل ﴿تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾. فالوَصفُ حالُ قائِمٍ تَحتَ ثِقَلٍ لا حالُ واقِعٍ من إعياء.
ثانياً، ٩٤:٧ يَضَعُ ﴿فَانصَبْ﴾ حَيثُ يَنتَظِرُ السّامِعُ أمراً بِالرّاحة. ولَو كانَ الجَذرُ اسماً لِلتَّعَبِ وَحدَه لَكانَ الأمرُ بِه أمراً بِالألَم، وهو لا يَستَقيم. وإنَّما أُمِرَ بِالهَيئةِ التي تَحمِل، والتَّعَبُ لازِمُها لا مَقصودُها.
ثالثاً، ٨٨:١٨ و٨٨:١٩ تَتَعاقَبانِ بِتَركيبٍ واحِدٍ وفِعلَينِ مُختَلِفَين: ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ لِلسَّماءِ و﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ لِلجِبال. فلَو كانَ الجَذرانِ واحِداً في المَعنى لَاستُغنِيَ بِأحَدِهِما في مَوضِعِ التَّعداد. والفارِقُ هو نَفسُه الذي دَلَّت عليه الحُروف: المَرفوعُ مَنقولٌ إلى حَيثُ يَظهَرُ ولا مَحمِلَ تَحتَه، والمَنصوبُ مَركوزٌ في الأرضِ يَحمِلُ ثِقلَه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- نَصِيبٌ (فَعيلٌ اسماً، مَرفوعاً): مَوضِعٌ واحِد، ويَقَعُ خَبَراً
مُقَدَّماً عليه جارٌّ يُخَصِّصُه بِصاحِبِه («لَهُم»)، ومَتلُوّاً بِـ«مِن» التَّبعيضِيّة.
- نَصِيبًا (فَعيلٌ اسماً، مَنصوباً): مَوضِعٌ واحِد، ويَقَعُ مَفعولاً
لِفِعلٍ مَبنيٍّ لِلمَجهول («أُوتوا»)، فصاحِبُه آخِذٌ لا كاسِب.
- نَّاصِبَةٌ (اسمُ الفاعِلِ مُؤَنَّثاً): مَوضِعٌ واحِد، ويَقَعُ
وَصفاً ثانِياً بِلا حَرفِ عَطف، فيَلتَحِمُ بِما قَبلَه التِحامَ الحالِ بِصاحِبِها.
- نُصِبَتْ (ماضٍ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه): مَوضِعٌ واحِد،
ولا يُذكَرُ مَعَه النّاصِبُ بَل يُسأَلُ عن كَيفِيّةِ فِعلِه.
- فَانصَبْ (أمرٌ من الثُّلاثيِّ مَقروناً بِفاءِ الجَواب): مَوضِعٌ
واحِد، ولا مَفعولَ لَه في اللَّفظِ ولا في التَّقديرِ المَذكور.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ في الصِّيَغِ كُلِّها واحِدة، والذي
تُوَزِّعُه الصِّيَغُ هو مَوضِعُ الثِّقَل. الاسمُ (نَصيب) لِلمَنصوبِ
الذي لا حَملَ عليه بَل هو المَحمول، والمَبنيُّ لِلمَجهولِ (نُصِبَت)
لِما أقامَه غَيرُه فقامَ بِلا ذِكرِ كُلفة، واسمُ الفاعِلِ (ناصِبة)
لِمَن أقامَ نَفسَه فوَقَعَ عليه الثِّقَلُ كُلُّه، والأمرُ (فانصَبْ)
لِمَن يُطلَبُ منه أن يَتَحَمَّلَه. فالجَذرُ ثابِتٌ والمُتَغَيِّرُ مَن
يَحمِل.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
raf3(الرَّفع، ر-ف-ع): إبعادٌ لَطيفٌ يَنقُلُ الشَّيءَ إلى حَيثُ
يَظهَر. والفَرقُ لا يُؤخَذُ من التَّقديرِ بَل من آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَينِ في المُسَجَّل: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ثُمَّ ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾. الأداةُ واحِدةٌ والبِناءُ واحِدٌ والفِعلُ مُختَلِف، فالتَّفريقُ مَقصود: الرَّفعُ يُخرِجُ الشَّيءَ من مَوضِعٍ لا يُرى فيه إلى مَوضِعٍ يُرى ولا يُذكَرُ لَه مُستَقَرّ، والنَّصبُ يَركُزُه في مُستَقَرِّه ويَجعَلُه حامِلاً. ولِذلك وُصِفَتِ السُّرُرُ بِالرَّفعِ (٨٨:١٣) ولم تُوصَف بِالنَّصب: المَجلِسُ يُرفَعُ لِيَظهَرَ قَدرُ صاحِبِه، ولا يُقالُ فيه إنَّه يَحمِل.
amal(العَمَل، ع-م-ل): ما صَدَرَ عن باطِنٍ فانضَمَّ وتَعَلَّقَ
بِصاحِبِه وتَمَيَّزَ عنه. والفَرقُ أنَّ العَمَلَ يُنظَرُ إليه من جِهَةِ ما يَخرُجُ ويَصيرُ عَيناً تُواجَه، والنَّصبُ من جِهَةِ ما يَبقى في صاحِبِه من كُلفةِ قِيامِه بِه. ولِذلك جُمِعا في ٨٨:٣ وَصفَينِ لا وَصفاً واحِداً.
sabr(الصَّبر، ص-ب-ر): حَبسُ النَّفسِ على المَكروه. والجَذرانِ
يَشتَرِكانِ في مُقاوَمةِ الثِّقَلِ ويَفتَرِقانِ في الهَيئة: الصَّبرُ إمساكُ النَّفسِ عن أن تَتَحَرَّك، والنَّصبُ إقامَتُها لِتَحمِل. فذاكَ كَفٌّ وهذا قِيام. وهذا الفَرقُ نَفسُه هو الذي مَنَعَ أن يُعَدَّ «لَن نَّصْبِرَ» في ٢:٦١ من هذا الجَذر (انظُر القِسمِ السّابِع).
kasb(الكَسب، ك-س-ب): جَذبٌ إلى النَّفسِ يَلزَمُها. والنَّصيبُ ما
اقتُطِعَ من هذا المَجذوبِ فرُكِزَ لِصاحِبِه، ولِذلك اجتَمَعَ الجَذرانِ في ٢:٢٠٢ بِحَرفِ التَّبعيض: الكَسبُ هو الجُملة، والنَّصيبُ هو المَعلَمُ المَنصوبُ منها.
ajr(الأجر، أ-ج-ر) وjaza(الجَزاء، ج-ز-ي): ثلاثةُ أوجُهٍ
لِما يَؤولُ إلى العامِل. الأجرُ مَحبوسٌ عِندَ غَيرِ صاحِبِه حتّى يَنبَثِقَ إليه، والجَزاءُ مِقدارٌ يُقطَعُ على قَدرِ الفِعلِ فيَعودُ بِه، والنَّصيبُ قائِمٌ مَركوزٌ لِصاحِبِه من أوَّلِ الأمر. فالأوَّلانِ يَتَحَرَّكانِ والثّالِثُ يَثبُت.
- الحَظّ (ح-ظ-ظ) والخَلاق (خ-ل-ق): لَيسَ لَهُما في المُعجَمِ
مَفهومٌ يُحالُ عليه، ويَقَعانِ في المُسَجَّلِ حَيثُ يَقَعُ النَّصيب: «ألّا يَجعَلَ لَهُم حَظّاً في الآخِرة» (٣:١٧٦)، «وما لَه في الآخِرةِ من خَلاق» (٢:٢٠٠). والمُلاحَظُ أنَّ اللَّفظَينِ يَرِدانِ في المُسَجَّلِ مَنفِيَّينِ، ولَفظُ النَّصيبِ يَرِدُ مُثبَتاً في مَوضِعَيه. فالنَّفيُ يُساقُ بِلَفظِ ما لا يُركَز، والإثباتُ بِلَفظِ ما يُركَز.
المَواضع: مَواقعُ النَّصبِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٠٢ ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الجَذرُ يَدخُلُ القرآنَ اسماً لا فِعلاً، وفي وَجهِ الحِصّةِ لا في وَجهِ الإقامة، فيَبدَأُ من الأثَرِ لا من الحَرَكةِ التي أحدَثَتْه. واللّامُ في «لَهُم» تُظهِرُ ب الجَذرِ في التَّركيب: الحِصّةُ مَشدودةٌ إلى صاحِبِها قَبلَ أن يُذكَرَ جِنسُها. ثُمَّ «مِن» التَّبعيضِيّةُ تَجعَلُها مَقطوعةً من كُثرٍ لا مُساوِيَةً لَه، فيَستَقيمُ فيها مَعنى المَعلَمِ المَركوزِ في أرضٍ أوسَعَ منه. وخِتامُ الآيةِ «سَريعُ الحِساب» يَمنَعُ أن تُقرَأَ الحِصّةُ حَظّاً يَقَعُ اتِّفاقاً: ما نُصِبَ فقد نُصِبَ بِمِقدار. انظُر الكَسب.
- ٣:٢٣ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ﴾: النَّصيبُ يُقتَطَعُ من الكِتاب. الجَديدُ: المَقسومُ في ٢:٢٠٢ كانَ كَسبَ أصحابِه، وهو هُنا عَطاءٌ لا كَسبَ فيه: الفِعلُ «أوتوا» مَبنيٌّ لِلمَجهولِ وصاحِبُ النَّصيبِ مَفعولٌ فيه. فيَتَبَيَّنُ أنَّ الجَذرَ لا يَشتَرِطُ في المَنصوبِ لَه أن يَكونَ هو النّاصِب. والمَقسومُ عِلمٌ لا جَزاء، فتَنتَقِلُ القِسمةُ من بابِ الأعواضِ إلى بابِ ما يُعلَم. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يُذَمُّ فيه صاحِبُ النَّصيب: يُدعى إلى الأصلِ الذي اقتُطِعَ منه نَصيبُه لِيَحكُمَ بَينَهُم فيَتَوَلّى فَريقٌ منهُم. فالمَعلَمُ في يَدِه والأرضُ مَتروكة. انظُر الكِتاب.
- ٨٨:٣ ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾: الجَذرُ يَنتَقِلُ إلى الفاعِل. الجَديدُ: بَعدَ مَوضِعَينِ كانَ الجَذرُ فيهِما مَحمولاً يُعطى لِصاحِبِه، يَصيرُ هُنا حامِلاً: اسمُ الفاعِلِ يُسنِدُ الفِعلَ إلى الوُجوهِ أنفُسِها، فهي التي أقامَت وهي التي تَحمِلُ كُلفةَ إقامَتِها. ولا يُذكَرُ لِهذا القِيامِ مَنصوبٌ ولا ثَمَرة، بَل يَتلوه ﴿تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾، فيَنكَشِفُ أنَّ الجَذرَ لا يَحمِلُ مَدحاً في نَفسِه: القِيامُ المُجهِدُ قد يَكونُ قِياماً على غَيرِ شَيء. وصيغةُ اسمِ الفاعِلِ تُثَبِّتُ الحالَ هَيئةً لازِمةً لا لَحظةً تَمُرّ، فيَجتَمِعُ في الوَجهِ الواحِدِ خُشوعُ الآيةِ التي قَبلَها وكَدحُ هذه. انظُر العَمَل.
- ٨٨:١٩ ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾: أوَّلُ فِعلٍ صَريحٍ لِلجَذر. الجَديدُ: يُبنى لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فيُنقَلُ الثِّقَلُ من المَنصوبِ إلى ناصِبٍ غائِبٍ عَنِ اللَّفظ، ويُسأَلُ عن كَيفِيّةِ النَّصبِ لا عن وُقوعِه، فيَصيرُ الفِعلُ نَفسُه هو المَعروضَ لِلنَّظَر. وأهَمُّ ما يُضيفُه أنَّه يَقَعُ في السّورةِ التي فيها «ناصِبة»، فيَجتَمِعُ طَرَفا الجَذرِ في سورةٍ واحِدة: وُجوهٌ نَصَبَت نَفسَها فتَعِبَت ولم تُثمِر، وجِبالٌ نُصِبَت فقامَت ولا يُذكَرُ لَها نَصَب. فالفارِقُ لَيسَ في الفِعلِ بَل في النّاصِب. ويَسبِقُه ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ بِالتَّركيبِ نَفسِه، فيُقرَأُ التَّغييرُ في الفِعلِ حُجّةً على أنَّ الجَذرَينِ لا يَتَرادَفان. انظُر الرَّفع.
- ٩٤:٧ ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾: الجَذرُ يَصيرُ أمراً. الجَديدُ: هو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يُطلَبُ فيه النَّصبُ، والوَحيدُ الذي يَأتي فيه بِلا مَفعولٍ ولا مَنصوب: لَيسَ «فانصِبْ كَذا» بَل «فانصَبْ»، فالمُقامُ هو المُخاطَبُ نَفسُه. ووُقوعُه جَواباً لِلفَراغِ يَجعَلُه استِئنافَ قِيامٍ لا ابتِداءَ شُغل: أُفرِغَ المَوضِعُ فيُعادُ نَصبُ العَمودِ فيه. والسّورةُ نَفسُها وَضَعَت عنه وِزرَه الذي أنقَضَ ظَهرَه (٩٤:٢ و٩٤:٣) ثُمَّ رَفَعَت لَه ذِكرَه (٩٤:٤)، فالمَشهَدُ ظَهرٌ أُقيمَ بَعدَ انحِناءٍ ثُمَّ أُمِرَ صاحِبُه أن يَقومَ تَحتَ ثِقَلٍ جَديد. واختِيارُ «انصَبْ» في مَوضِعٍ يَنتَظِرُ السّامِعُ فيه «استَرِحْ» هو أوضَحُ ما في المُسَجَّلِ على أنَّ الجَذرَ هَيئةٌ تُطلَبُ لا ألَمٌ يُشتَكى منه. انظُر الشَّرح.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الرَّفع في ٨٨:١٨ و٨٨:١٩ ثُمَّ في ٩٤:٤ و٩٤:٧: الجَذرانِ
يَتَجاوَرانِ في سورَتَينِ بِقِسمةٍ واحِدة. في الثَّامِنةِ والثَّمانينَ يَتَعاقَبانِ في آيَتَينِ بِبِناءٍ واحِدٍ لِلمَجهول، وفي الرّابِعةِ والتِّسعينَ يُسنَدُ الرَّفعُ إلى المُتَكَلِّمِ («ورَفَعنا لَكَ ذِكرَك») ويُؤمَرُ المُخاطَبُ بِالنَّصب. فالرَّفعُ في المَوضِعَينِ فِعلُ مَن لا يَحمِل، والنَّصبُ فِعلُ مَن يَحمِل.
- مَعَ العَمَل في ٨٨:٣: الآيةُ نَفسُها تَحمِلُ الجَذرَينِ في
كَلِمَتَينِ مُتَتابِعَتَينِ بِلا عَطف، فتُقرَأُ «عامِلة» في الحَرَكةِ و«ناصِبة» في ثِقَلِها على صاحِبِها، ويَبقى الجَنى غَيرَ مَذكورٍ في الوَجهَين.
الوَجهَ النّاصِبَ بِوَجهٍ مُستَريح، بَل بِوَجهٍ ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾. فالمُقابَلةُ لَيسَت بَينَ بَذلٍ وتَركٍ لِلبَذل، بَل بَينَ قِيامٍ لا يُرضى عنه وسَعيٍ يُرضى عنه.
- مَعَ الكَسب في ٢:٢٠٢: اللَّفظانِ في آيةٍ واحِدةٍ بِحَرفِ
التَّبعيض، فيُقرَأُ المَكسوبُ كُثراً والنَّصيبُ ما رُكِزَ منه لِصاحِبِه. والمَفهومانِ يَقرَآنِ الآيةَ من جِهَتَين: الكَسب من جِهَةِ ما جُمِع، وهذا المَفهومُ من جِهَةِ ما ثَبَتَ بَعدَ الجَمع.
- مَعَ الكِتاب في ٣:٢٣: النَّصيبُ يُقتَطَعُ من الكِتابِ ثُمَّ
يُدعى صاحِبُه إلى الكِتابِ نَفسِه، فيَقَعُ المَقسومُ والمَقسومُ منه في آيةٍ واحِدة، ويَظهَرُ أنَّ اقتِطاعَ الجُزءِ لا يُغني عن الرُّجوعِ إلى الأصل.
- مَعَ النّار في ٨٨:٣ و٨٨:٤: النَّصَبُ في هذه السّورةِ لا يُذكَرُ
لَه عِوَضٌ إلّا الصَّلي، فيُقرَأُ الوَصفانِ مُقَدِّمةً لِلحُكمِ الذي بَعدَهُما لا حالاً مُستَقِلّةً عنه.
الإشكالات المَفتوحة
- **أَينتَمي «نَصيب» إلى هذا الجَذرِ حَقّاً؟ رُجِّحَ نَعَم، والحُجّةُ
مَذكورةٌ ونُقصانُها مَذكورٌ مَعَها. الذي رَجَّحَه ثلاثةُ أشياء: أنَّ صَفَحاتِ الآيَتَينِ في المُصحَفِ المَنشورِ تَنُصُّ على ن-ص-ب جَذراً لِلكَلِمة، وأنَّ «فَعيل» على هذا الأصلِ يُعطي مَعنى المَفعولِ (المَنصوبُ لَه) كَما في قَتيلٍ وجَريح، وأنَّ المَوضِعَينِ كِلَيهِما يَشُدّانِ الحِصّةَ إلى صاحِبٍ («لَهُم»، «أوتوا») وإلى أصلٍ تُقتَطَعُ منه («مِمّا»، «مِنَ الكِتاب»)، وهو تَمامُ صورةِ المَعلَمِ المَركوزِ في أرضٍ أوسَعَ منه. والنُّقصانُ: وَجهُ الحِصّةِ ووَجهُ الإقامةِ لا يَجتَمِعانِ في آيةٍ واحِدةٍ في المُسَجَّل، فالوَحدةُ قائِمةٌ على الحُروفِ واللُّغةِ لا على شاهِدٍ داخِلَ النَّصّ. ولَو فُصِلَ النَّصيبُ عن الجَذرِ لَبَقِيَت قِراءةُ الحُروفِ كَما هي ولَسَقَطَ مَوضِعانِ من خَمسة، وانتَقَلَ بَيتُ الأصلِ من ٢:٢٠٢ إلى ٨٨:٣**. مَفتوح.
- «ناصِبة» في ٨٨:٣: أمِن نَصَبَ (أقامَ) أم من نَصِبَ (تَعِبَ)؟
اللُّغةُ تُثبِتُ الفِعلَينِ مَعاً، والقِراءةُ هُنا تُوَحِّدُهُما بِجَعلِ التَّعَبِ كُلفةَ الإقامة. ولَو فُصِلا لَاحتاجَ الفاصِلُ أن يُفَسِّرَ لِمَ اختارَ القرآنُ في ٩٤:٧ صيغةَ أمرٍ من هذه المادّةِ بِعَينِها. مَفتوح.
- **«فانصَبْ» بِلا مَفعول: هل الحَذفُ لِلتَّعميمِ أم لِأنَّ الفِعلَ
لازِمٌ في هذا الوَجه؟** إن كانَ لِلتَّعميمِ فالمَعنى: أقِمْ ما يَنبَغي إقامَتُه أيّاً كان. وإن كانَ لُزوماً فالمَعنى: قُمْ أنتَ. والقِراءةُ هُنا على الثّاني لِمُوافَقَتِه صيغةَ اسمِ الفاعِلِ في ٨٨:٣، ولا مَوضِعَ آخَرَ في المُسَجَّلِ يُقاسُ عليه. مَفتوح.
- المُسَجَّلُ لا يَحوي المَصدَرَ «النَّصَب» ولا الجَمعَ «الأنصاب».
فقِراءةُ وَجهِ التَّعَبِ قامَت على اسمِ الفاعِلِ وَحدَه، وقِراءةُ وَجهِ المَعلَمِ المَركوزِ على اللُّغةِ وَحدَها. يُختَبَرانِ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ جَديدة.