البقرة · الآية 202

﴿أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ

(ن ص ب): النَّصيبُ حِصَّةٌ مَوضوعةٌ أصلاً، لا هِبةٌ عَشوائيّة

والمؤكَّدُ أنَّ الجذرَ (ن ص ب) مَدارُه على رَفعِ الشَّيءِ وتَثبيتِه في مَكانِه، ومنه النُّصُبُ لما يُرفَعُ ليُعبَد، والمِنصَبُ للمَوضعِ المَرفوع، والنَّصَبُ للتَّعَبِ الذي يَبقى مُثبَّتاً في الجَسَد. فالنَّصيبُ هو الحِصَّةُ المَرفوعةُ المَوضوعةُ في مَوضِعِها.

وهذه الصُّورةُ تَنفي العَشوائيّةَ عن الجَزاء: النَّصيبُ مَنصوبٌ مُحَدَّدٌ، يَأتي لِصاحبِه كما تَأتي الرَّايةُ المَرفوعةُ لمَن يَحمِلها، وليس هِبَةً تَقَعُ على مَن لَم يَعمَل لها.

(ك س ب): الكَسبُ جَذبُ الأثَرِ بِالفِعل

ومَدارُ الكَسبِ في الجذرِ العربيِّ على الجَمعِ بالتَّدريجِ عَن طَريقِ الفِعل، والكاسِبُ الذي يُحَصِّلُ بِعَمَلِه، وقد استَعمَلَه القرآنُ في سياقِ الأخلاقِ بِنَفسِ المَعنى: «لها ما كَسَبَت وعليها ما اكتَسَبَت»، والنَّفسُ تَجذِبُ إلى نَفسِها آثارَ أفعالِها.

و«ممّا كَسَبوا» تَبعيضٌ مُنبِّه: النَّصيبُ قِسمٌ من مَجموعِ ما كَسَبَه الإنسانُ، وليس كُلَّه، ومن كَسبِه ما هو نَصيبٌ لَه وما هو دَيْنٌ عَليه، واللَّفظُ دَقيقٌ في التَّمييز.

الكَسبُ كَعدلٍ اجتِماعيّ: نَسفُ الحُظوظِ الوِراثيّة

والمؤكَّدُ أنَّ هذه الآيةَ تَضَعُ قانونَ الجَزاءِ على قاعدةِ الفِعلِ الشَّخصيّ، لا على قاعدةِ النَّسَبِ أو القَبيلةِ أو الصَّنفِ الدِّيني، والنَّصيبُ يَأتي لِمَن كَسَبَ، لا لِمَن وُلِدَ في بَيتٍ مُعَيَّنٍ أو انتَمى إلى قبيلةٍ مُعَيَّنة.

وهذا المَبدأُ يَنسِفُ منطقَ الحُظوظِ المَبنيّةِ على الانتِساب: مَن كان يَظُنُّ أنَّ مَوقِعَه أو نَسَبَه يُعطيه حِصَّةً أكبَر قَد يَكونُ نَصيبُه الحقيقيُّ صَفراً إن لم يَكسِب بِفِعلِه شَيئاً.

(س ر ع): السُّرعةُ قُربُ الزَّمنِ لا عُنفُ الحَرَكة

والسُّرعةُ في الجذرِ تَعني قِصَرَ الزَّمنِ بَين الفِعلِ والنَّتيجة، ولا تَعني بالضَّرورةِ العُنفَ، والسَّريعُ في السَّيرِ الذي يَقطَعُ المسافةَ في وَقتٍ قَصير.

و«سَريعُ الحِساب» تُفيدُ قِصَرَ الزَّمنِ بَين الكَسبِ وَظُهورِ أثَرِه، ومَعناها أنَّ الصِّلةَ بَين الفِعلِ وجَزائه قَريبة، وأنَّ الإنسانَ يَرى أثَرَ كَسبِه سَريعاً في حَياتِه وفي نَفسِه قَبلَ أنْ يَراهُ في يَومٍ آخَر، وليس مَعناها أنَّ اللهَ يُنهي مُحاسَبةَ الخَلائقِ في ثَوانٍ يَومَ القيامة.

(ح س ب): الحِسابُ عَدٌّ دَقيقٌ لا مُفاجَأةٌ عاصفة

والمؤكَّدُ أنَّ أصلَ الجذرِ (ح س ب) العَدُّ والإحصاء، والحاسبُ الذي يَعُدُّ الأمرَ عَدّاً دَقيقاً، والحَسَبُ في النَّسَبِ ما يَعُدُّه الإنسانُ من مآثرِ آبائه، والحِسابُ إجراءُ العَدِّ على الكَسب.

والحِسابُ الإلهيُّ عَدٌّ دَقيقٌ لِكُلِّ ذَرّةٍ من الفِعل، وليس ضَربةً عَشوائيّةً ولا محكَمةً مُفاجئة، وهذا ما يُبَرِّرُ الخَوفَ منه بِنفسِ مقدارِ الرَّجاءِ فيه: لا يَغيبُ عنه شَيءٌ ولا يَزيدُ ولا يَنقُص.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: النَّصيبُ يَأتي من جُرأةِ الكَسبِ لا من مَكانةِ الانتِساب، وسُرعةُ الحِسابِ قُربٌ زَمنيٌّ بَين الفِعلِ وأَثَرِه في النَّفسِ والحياةِ، فَيَصيرُ الحِسابُ عادةً يَوميّةً لا مُفاجأةً مُؤَجَّلة.


حَصيلة

تَختِمُ هذه الآيةُ قوسَ الحَجِّ بِقاعِدةٍ ثَلاثيّةِ الجُذور. والجذرُ -ن-ص-ب- يَكشِفُ أنَّ النَّصيبَ حِصَّةٌ مَرفوعةٌ مَنصوبةٌ لِصاحبِها كالرَّايةِ المَرفوعةِ لِحامِلِها، لا هِبةٌ تَقَعُ على مَن لَم يَعمَل: أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا﴾. والجذرُ -ك-س-ب- يُفصِحُ بأنَّ الكَسبَ جَذبٌ تَدريجيٌّ للأثَرِ بالفِعلِ لا بالانتِماء، وقَولُه «مِمَّا كَسَبوا» تَبعيضٌ دَقيق: في الكَسبِ ما هو نَصيبٌ وما هو دَين، وفي هذا نَسفٌ لِمَنطِقِ الحُظوظِ الوِراثيّةِ والانتِماءِ الذي ظَنَّه أَصحابُه سَبَباً في النَّصيبِ الأوفَر. وأمَّا الجذرُ -ح-س-ب- فيُحَدِّدُ طَبيعةَ الحِساب، وهو عَدٌّ دَقيقٌ لا مُفاجأةٌ عاصفة، ولا تَغيبُ عنه ذَرَّة. وصِفةُ السُّرعةِ من -س-ر-ع- تَعني قُربَ الزَّمَنِ بين الفِعلِ وأثَرِه لا عُنفَ الحَرَكة: الحِسابُ يَبدأُ في هذه الحَياةِ ولا يَتَأجَّلُ كُلُّه. وبِذلكَ تُغلِقُ الآيةُ بابَ الرَّجاءِ المَبنيِّ على الانتِسابِ وتَفتَحُ بابَ الرَّجاءِ المَبنيِّ على الفِعل، وهما النَّموذَجانِ اللَّذانِ قابَلَت بَينَهُما الآيتانِ 200-201.