آل عمران · الآية 23

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ

«أَلَمْ تَرَ... أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ»: رُؤيةُ مَن أُعطِيَ جُزءاً

الاستِفهامُ «ألم تر» يَطلُبُ نَظراً يَبلُغُ المَشهَدَ نَفسَه، ولا يَقِفُ عندَ خَبَرٍ عنه. والرُّؤيةُ من ر-أ-ي، وهي جَريانٌ يَتَحَدَّدُ ثمَّ يَمتَدُّ في الإدراك. والمَرئيُّونَ «أوتوا نصيباً من الكتاب»، أي أُعطوا قِسماً قائماً، لا ادَّعاءَ إحاطةٍ بالكُلّ.

والنَّصيبُ من ن-ص-ب، ومَعناه انبِعاثٌ يُقيمُ شيئاً بصَلابةٍ ثمَّ يَتَّصِلُ به، فهو حَظٌّ مَنصوبٌ لصاحِبِه يَحمِلُ معه مَسؤوليّةَ مَوقِعِه. والكتابُ من ك-ت-ب، وأصلُه شَيءٌ يُحبَسُ بِضَغطٍ دَقيقٍ ويَتَّصِلُ بِمَحَلِّه فيَتَمَسَّكُ بِه، فيُمسِكُ الكلماتِ عَهداً مَكتوباً.

«يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ»: العَطاءُ يُختَبَرُ بالرُّجوع

وبِناءُ «يُدعون» للمَفعولِ يَضَعُهم مَوضِعَ مَن بَلَغَته الدَّعوة. والدُّعاءُ من د-ع-و دَفعٌ يَظهَرُ من عُمقٍ ثمَّ يَصِلُ مَدعوَّه. والغايةُ «ليحكم بينهم»، والمُرادُ أن يَرجِعَ أصحابُ النَّصيبِ إلى الكتابِ نَفسِه حينَ يَقَعُ الخِلاف.

والحُكمُ من ح-ك-م احتواءٌ حَيٌّ يَقطَعُ الفَوضى ثمَّ يَجمعُ القَرارَ في مَوضِعِه، وفاعِلُه في الجُملةِ «كتاب الله»، فالمَرجِعُ هو الكتابُ حينَ يَقومُ بينَهم حَكَماً، دونَ النَّصيبِ الذي يَحمِلُه كُلُّ طَرَفٍ وحدَه.

«ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ... وَهُم مُّعْرِضُونَ»: مُهلةٌ تَكشِفُ إعراضاً قائماً

و«ثمَّ» تُدخِلُ مَسافةً بعدَ الدَّعوة، وفي هذه المَسافةِ يَتَوَلّى فريقٌ منهم. والتَّولّي مَنسوبٌ في العِبارةِ إلى «فريقٍ منهم» بهذا الحَدِّ وَحدَه، ثمَّ وُصِفَ هذا الفريقُ باسمِ الفاعِلِ «معرضون»، وهو طبيعةٌ فاعِلةٌ مُستَمِرّةٌ من ع-ر-ض، ومَعناه ظُهورٌ من عُمقٍ يَجري ثمَّ يَثبُتُ فاصِلاً عَريضاً بينَ صاحِبِه والمَرجِع.

والتَّولّي حَرَكةُ الوَجهِ بعيداً، والإعراضُ البِنْيةُ التي تَجعَلُ تلك الحَرَكةَ دائمة، وبهذا تَظهرُ المُفارَقة: نَصيبٌ من الكتابِ في اليَد، ودَعوةٌ إلى الكتابِ تَبلُغُ السَّمع، ثمَّ وَجهٌ يَختارُ المَسافة.


حَصيلة

لا تَسأَلُ الآيةُ هل مَلَكوا نَصيباً من الكتاب، فقد أُعطوه، ومَحلُّ النَّظَرِ فيها ما يَحدُثُ حينَ يُدعَونَ إلى مَرجِعِ ذلك النَّصيبِ ليَحكُمَ بينَهم. فيَتَوَلّى فريقٌ وحدَه، ويَفضَحُ اسمُ الفاعِلِ أنَّ الحَرَكةَ اتِّجاهٌ مُستَمِرٌّ، زيادةً على كونِها عَثرة. وامتِلاكُ جُزءٍ من الكتابِ لا يَنفعُ مَن يَجعَلُ الجُزءَ بَديلاً من الرُّجوعِ إلى الكتاب.