الغاشية · الآية 19

﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ

«وإلى الجِبالِ»: نَظَرٌ يُوَجَّهُ إلى ما عَلا فَثَبَت

تَعطِفُ الآيةُ بِالواوِ على ما قَبلَها مِن مَنظوراتٍ يُدعى المُخاطَبُ إلى تَأمُّلِها، وتَجُرُّ بِـ«إلى» فتَجعَلُ النَّظَرَ مُوَجَّهاً مُنتَهِياً إلى غايَةٍ مَعلومة، وهي الجِبال. و«إلى» في أصلِها انتِهاءُ الحَرَكةِ إلى حَدّ، فالعَينُ تُرفَعُ وتُمَدُّ حتّى تَقَعَ على هذه الكُتَلِ القائِمة. وأصلُ ج-ب-ل الكُتلةُ المَجبولةُ المَطبوعةُ على هَيئَتِها، فالجَبَلُ ما عَظُمَ مِنَ الأرضِ وارتَفَعَ فاستَقَرَّ على ثَباتٍ لا يُزحزَح، والجِبِلّةُ الخِلقةُ التي طُبِعَ عليها الشَّيءُ فلَزِمَها، والمَجبولُ ما عُجِنَ على صورَةٍ فثَبَتَ عليها.

فالجِبالُ في هذا النَّظَرِ مَشهَدٌ يُتَفَرَّجُ عليه، وهي مَعَ ذلك كُتَلٌ مَجبولةٌ على قِيامٍ ورُسوخ، يُدعى الرّائي أن يَرفَعَ إليها بَصَرَه كما رَفَعَه قَبلُ إلى ما فَوقَه. والعَطفُ يَصِلُها بِسِلسِلةِ ما يُؤمَرُ بِالنَّظَرِ فيه، فهي حَلقةٌ في نَظَرٍ يَتَدَرَّجُ مِنَ الحَيوانِ إلى ما فَوقَ ثُمَّ إلى ما حَولَ القَدَم.

«كَيفَ»: سُؤالٌ عَن هَيئَةِ الفِعلِ لا عَن وُجودِه

و«كَيفَ» سُؤالٌ عَنِ الحالِ والهَيئَة دونَ أصلِ الوُجود، فالمَسؤولُ عنه في الآيةِ صِفةُ قِيامِ الجِبال: على أيِّ هَيئَةٍ أُقيمَت، وكَيفَ تَمَّ لها هذا الثَّباتُ المَنظور، ولم تَسأَلْ أَوُجِدَت أم لا. وهذا تَوجيهٌ لِلنَّظَرِ نَحوَ كَيفيّةِ الصُّنعِ نَفسِها، إلى الدِّقّةِ التي بها قامَتِ الكُتلةُ فلم تَمِل ولم تَهوِ.

وفي السُّؤالِ بِـ«كَيفَ» دَعوةٌ خَفِيّةٌ إلى الإقرارِ بِفاعِلٍ صَنَع، فمَن سَأَلَ «كَيفَ نُصِبَت» فقد سَلَّمَ أنَّها نُصِبَت، وأنَّ وراءَ نَصبِها هَيئَةً مَقصودةً يُتَأمَّلُ فيها. فالاستِفهامُ هنا تَوقيفٌ لِلبَصَرِ عند مَوضِعِ الصَّنعة، وليسَ طَلَباً لِخَبَرٍ مَجهول.

«نُصِبَت»: إقامةٌ بِفِعلِ ناصِبٍ، لا قِيامٌ مِن ذاتِها

والجِذرُ ن-ص-ب يَدورُ على الإقامةِ المُثبَتةِ والرَّفعِ المُستَقِرّ، فالنَّصبُ إقامةُ الشَّيءِ مُنتَصِباً ثابِتاً، والنَّصيبُ الحِصّةُ المُعَيَّنةُ المُثبَتةُ لِصاحِبِها، والمَنصِبُ المَوضِعُ المُقامُ فيه، والنَّصَبُ التَّعَبُ الذي يَقومُ بِالبَدَنِ فلا يُفارِقُه. فأصلُ المادّةِ رَفعُ شَيءٍ وتَثبيتُه قائِماً بِفِعلِ مُقيمٍ يُقيمُه.

وجاءَ الفِعلُ «نُصِبَت» مَبنِيّاً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالجِبالُ مَفعولٌ بها غَيرُ فاعِلةٍ بِنَفسِها، أُقيمَت ولم تَقُم مِن ذاتِها، ووراءَ نَصبِها ناصِبٌ أقامَها. وهذا البِناءُ يَصرِفُ النَّظَرَ عَنِ الكُتلةِ إلى مَن أوقَفَها، فالثَّباتُ المَرئيُّ أثَرٌ لِفِعلٍ غائِبٍ عَنِ العَين، حاضِرٍ في كُلِّ جَبَلٍ قائِم.


حَصيلة

تُوَجِّهُ الآيةُ النَّظَرَ بِـ«إلى» نَحوَ الجِبال، والجِذرُ ج-ب-ل كُتلةٌ مَجبولةٌ مَطبوعةٌ على قِيامٍ ورُسوخ، تُرفَعُ إليها العَينُ كما رُفِعَت قَبلُ إلى ما فَوقَها. ثُمَّ تَسأَلُ «كَيفَ» عَن هَيئَةِ القِيامِ دونَ أصلِ الوُجود، فتُوقِفُ البَصَرَ عند مَوضِعِ الصَّنعةِ وتُسَلِّمُ بِأنَّها نُصِبَت. و«نُصِبَت» مِن ن-ص-ب، وهي إقامةٌ مُثبَتةٌ بِفِعلِ ناصِب، جاءَت مَبنِيّةً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالجِبالُ أُقيمَت ولم تَقُم مِن ذاتِها. وبِهذا تَنقُلُ الآيةُ البَصَرَ مِنَ الكُتلةِ الرّاسِخةِ إلى الفِعلِ الذي أقامَها، وتَجعَلُ ثَباتَها المَنظورَ شاهِداً على ناصِبٍ غائِبٍ عَنِ العَينِ حاضِرٍ في كُلِّ ما نُصِب.