الغاشية · الآية 3

﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ

«عامِلَة»: وُجوهٌ في حَرَكةٍ دائِبَة

تَأتي الآيةُ وَصفاً لِما قَبلَها: وُجوهٌ ذَكَرَتها الآيةُ السابِقةُ خاشِعةً، تُوصَفُ هنا بِأنَّها «عامِلَة». والعَمَلُ من ع-م-ل: جُهدٌ يَنعَقِدُ على غايةٍ ويَلصَقُ بِصاحِبِه فلا يَنفَكُّ عنه. فالوَصفُ لا يَقولُ إنَّها فَعَلَت ثُمَّ سَكَنَت، بل إنَّها في كَدحٍ مُتَّصِلٍ قائِم، حالٍ لا يَفتُر.

وفي صيغةِ اسمِ الفاعِلِ «عامِلَة» ثَباتُ الحالِ: لَيسَت لَحظةً عابِرةً بل هَيئةٌ لازِمَة. الوَجهُ ها هنا يَحمِلُ أثَرَ ما يُعالِجُه، يَنطِقُ بِالجُهدِ المَبذولِ قَبلَ أن يَنطِقَ اللِّسان.

«ناصِبَة»: جُهدٌ يُنهِكُ صاحِبَه

ثُمَّ «ناصِبَة» من ن-ص-ب: الجِذرُ يَدورُ على الإقامةِ المُجهِدةِ والتَّعَبِ المُلازِم. النَّصَبُ كَلالٌ يَثبُتُ في البَدَنِ فلا يَزولُ بِراحةٍ قَريبة، و«نَصِبَ» الرَّجُلُ إذا أتعَبَه عَمَلُه حتّى أعياه. فالوَصفُ الثاني يَكشِفُ ثَمَرةَ الأوّل: عَمَلٌ دائِبٌ أورَثَ نَصَباً مُقيماً.

وبَينَ الكَلِمَتَين رابِطٌ مَحكَم: «عامِلَة» تُخبِرُ عن الحَرَكة، و«ناصِبَة» تُخبِرُ عن أثَرِها في صاحِبِها. الجُهدُ يَجري، والإعياءُ يَثبُت. ولا يُذكَرُ في الآيةِ ما يُجنى من هذا الكَدح، فيَبقى الوَصفُ مَقصوراً على حَرَكةٍ تَتَعِبُ ولا تُريح.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ وُجوهاً بِوَصفَين مُتَتابِعَين يَشُدُّ أحَدُهما الآخَر: «عامِلَة» من ع-م-ل، جُهدٌ مُتَّصِلٌ يَلصَقُ بِصاحِبِه ولا يَفتُر، و«ناصِبَة» من ن-ص-ب، تَعَبٌ يَثبُتُ في البَدَنِ فلا يَزول. الأوّلُ حَرَكة، والثاني أثَرُها. صيغةُ اسمِ الفاعِلِ في الكَلِمَتَين تُثَبِّتُ الحالَ هَيئةً لازِمَةً لا لَحظةً عابِرة. فالوَجهُ يَنطِقُ بِالكَدحِ والإعياءِ معاً: عَمَلٌ دائِبٌ ونَصَبٌ مُقيمٌ لا يُذكَرُ له في الآيةِ جَنىً يُريح.