الطُّمَأنينة
**إطباقٌ يَنزِلُ على جَوفٍ فيَحبِسُ فيه سُكوناً**. لَيسَتِ الطُّمَأنينةُ في الجَذرِ هُدوءاً يَختارُه صاحِبُه، بَل **غِطاءٌ عَريضٌ يَهبِطُ على ما تَحتَه فيَضُمُّه، ثُمَّ يَنحَبِسُ في باطِنٍ فيَرِنُّ فيه ولا يَخرُج**. ولِذلك لا يُؤمَرُ بِه أحَدٌ في المُسَجَّلِ في مَوضِعٍ واحِد، ولا يَكونُ لِلبَشَرِ فيه فِعلٌ يُنسَبُ إلَيه، ولا يَتَعَدّى إلى مَفعولٍ خارِجَ صاحِبِه في أربَعةٍ من أربَعة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ط :: إطباقٌ عَريضٌ ثَقيلٌ لِلِّسانِ يَحبِسُ النَّفَسَ بِضَغطٍ
ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه مُنبَسِطاً مُنتَشِراً. والقانونُ يَعُدُّ «طم» شاهِداً على وَجهَينِ مَعاً: الإطباقُ العَريضُ والتَّغطِية، والاحتِباسُ والضَّغط. فالمَبدَأُ غِطاءٌ يَنزِلُ ويَضغَط.
- م :: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ المَجهورَ في
جَوفٍ مُغلَقٍ ثُمَّ يُنفِذُه رَنيناً مُمتَدّاً من الأنف. فالوَسَطُ ضَمٌّ واحتِواءٌ في باطِن.
- ن :: انطِباقُ طَرَفِ اللِّسانِ يَحبِسُ النَّفَسَ في الجَوفِ
فيَمتَلِئُ رَنيناً لَطيفاً ويَنفُذُ من مَنفَذٍ ضَيِّقٍ نَفاذاً مُتَّصِلاً لا انفِجارَ فيه. فالمُنتَهى احتِواءٌ جَوفيٌّ مَعَ رَنينٍ لَطيفٍ لا يَنفَجِر.
النَّواةُ طم (ط + م) = إطباقٌ عَريضٌ يَنزِلُ فيَضُمُّ ما تَحتَه. والإغلاقُ بِـن يَحبِسُ هذا المَضمومَ في جَوفٍ ويُبقيه رَنيناً لا يَنفَجِرُ خارِجاً. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: غِطاءٌ يَهبِطُ على جَوفٍ فيَستَقِرُّ ما فيه.
ومنه في كلامِ العَرَب: «اطمَأَنَّتِ الأرضُ» انخَفَضَت عمّا حَولَها، و«المُطمَئِنُّ» من الأرضِ ما انخَفَضَ فاستَقَرَّ فيه ما انحَدَرَ إلَيه. فالجَذرُ يُسَمّي الانخِفاضَ الذي يَصلُحُ لِلاحتِواء قَبلَ أن يُسَمّيَ راحةَ القَلب، وسُكونُ القَلبِ فَرعٌ عن هذا لا أصلٌ له.
وهذه القِراءةُ تَدفَعُ ثَلاثةَ أشياءَ لا يُعطيها مَعنى «الهُدوء»:
الأوَّل، أنَّ الغِطاءَ يَقتَضي ما يَنزِلُ عَلَيه، فلا يُطمَأَنُّ إلى غَيرِ مَحَلٍّ يَقبَل. والمَحَلُّ في المُسَجَّلِ ثَلاثَتُه جَوفٌ (قَلبٌ، ثُمَّ قُلوب، ثُمَّ نَفس) والرّابِعُ حالٌ لِماشين («مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ»، ١٧:٩٥). فلَيسَ الحَصرُ في المُجَوَّفِ حُكماً في الجَذر، بَل غَلَبةٌ ثَلاثةٌ من أربَعة، ويَبقى المُشتَرَكُ بَينَ الأربَعةِ أدَقَّ من ذلك: أنَّ الحالَ تُوصَفُ ولا تُصنَع. وحَتّى في الرّابِعِ لا يُذكَرُ لِلطُّمَأنينةِ فاعِلٌ ولا مَفعول، وإنَّما تُنصَبُ حالاً على مَن يَمشي. ومَعنى «الهُدوء» يَستَوي عِندَه ذلك كُلُّه، وهذه القِراءةُ تُفَرِّقُ: الغِطاءُ يَنزِلُ ولا يُنزَل.
والثّاني، أنَّه لا يُؤمَرُ بِه. ما تَحتَ الغِطاءِ لا يُنزِلُ الغِطاءَ على نَفسِه. ولِذلك لم يَرِدْ في المُسَجَّلِ أمرٌ ولا ماضٍ ولا فاعِلٌ بَشَريٌّ يَفعَلُه، بَل لامُ تَعليلٍ مَرَّتَينِ ووَصفٌ مَرّة. وفاعِلُ الفِعلِ في المَوضِعَينِ عُضوٌ من الإنسانِ لا الإنسان: «قَلْبِي»، «قُلُوبُكُم».
والثّالِث، أنَّ ٢:٢٦٠ تَستَقيمُ بِلا تَكَلُّف. إبراهيمُ قد آمَنَ وأقَرَّ بِذلك («بَلَىٰ»)، والذي طَلَبَه لَيسَ إيماناً فَوقَ إيمان، بَل غِطاءً يَنزِلُ على الذي عِندَه. فالمَطلوبُ طَبَقةٌ لا زِيادةٌ في المادّة، ولِذلك جازَ أن يُطلَبَ بَعدَ الإقرارِ ولم يَكُنْ تَراجُعاً عنه.
الصِّيَغ: كيف تَردُ في القرآن
أربَعةُ مَواضِعَ في السُّوَرِ المَنشورة، صيغَتانِ فِعلِيَّتانِ ووَصفان:
- المُضارِعُ مَنصوباً بِلامِ التَّعليل «لِّيَطْمَئِنَّ» (٢:٢٦٠):
والفاعِلُ «قَلْبِي»، لا المُتَكَلِّمُ الذي سَأَل.
- المُضارِعُ مَنصوباً بِلامِ التَّعليلِ مُسنَداً إلى جَمع
«وَلِتَطْمَئِنَّ» (٣:١٢٦): والفاعِلُ «قُلُوبُكُم»، فالمَحَلُّ يَتَعَدَّدُ ولا يَتَغَيَّر.
- اسمُ الفاعِلِ مَنصوباً على الحال «مُطْمَئِنِّينَ» (١٧:٩٥):
وصاحِبُ الحالِ «مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ»، فالمَوصوفُ جَماعةٌ في حالِ مَشيٍ لا جَوفٌ في صاحِبِه.
- اسمُ الفاعِلِ مُعَرَّفاً في مَوضِعِ الصِّفة «الْمُطْمَئِنَّةُ»
(٨٩:٢٧): والمَوصوفُ «النَّفْسُ».
ويُقرَأُ من هذا خَمسةُ أُمور. الأوَّل أنَّ الجَذرَ لا يَرِدُ ماضِياً ولا أمراً ولا مَصدَراً؛ بَل إنَّ لَفظَ «الطُّمَأنينة» الذي سُمِّيَ بِه هذا المَفهومُ لا يَقَعُ في المُسَجَّلِ أصلاً، فالمَفهومُ يُقرَأُ من غايةٍ ووَصفٍ لا من اسمٍ يَحمِلُه. والثّاني أنَّه لازِمٌ في الأربَعة، لا مَفعولَ بِه في مَوضِعٍ واحِد، فلا يَقَعُ على شَيءٍ خارِجَ صاحِبِه. والثّالِث أنَّ الأربَعةَ كُلَّها كَلامٌ غَيرُ مُستَأنَف: مَرَّتانِ في لامِ تَعليلٍ تابِعةٍ لِما قَبلَها، ومَرّةً حالاً في جُملةِ شَرط، ومَرّةً صِفةً في نِداء. فلا يُخبَرُ بِالطُّمَأنينةِ خَبَراً قائِماً بِنَفسِه في المُسَجَّلِ كُلِّه. والرّابِع أنَّ اللهَ لَيسَ فاعِلَ الفِعلِ في مَوضِعٍ واحِد، وهو صانِعُ سَبَبِه في المَوضِعَين: يُسأَلُ في ٢:٢٦٠، ويُخبَرُ عن جَعلِه في ٣:١٢٦. والخامِس أنَّ الجَذرَ يَتَدَرَّجُ في المُسَجَّلِ من طَلَبٍ مُنتَظَرٍ إلى واقِعٍ مَوصوف: يُطلَبُ لِقَلبٍ في ٢:٢٦٠، ويُجعَلُ غايةً لِقُلوبٍ في ٣:١٢٦، ثُمَّ يُوصَفُ بِه ماشونَ في ١٧:٩٥ ونَفسٌ مُنادَاةٌ في ٨٩:٢٧. فالوَصفانِ آخِرَ التَّرتيبِ والفِعلانِ أوَّلَه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ في الثَّلاثةِ واحِدة (غِطاءٌ يَنزِلُ
على جَوفٍ فيَستَقِرُّ ما فيه)، والوَزنُ يَنقُلُ الزَّمَنَ لا
المَعنى: المُضارِعُ المَنصوبُ يَجعَلُها مُنتَظَرةً مُعَلَّقةً
بِسَبَب، واسمُ الفاعِلِ يَجعَلُها وَصفاً لازِماً قد تَمَّ فلا
يُذكَرُ لَه سَبَبٌ ولا وَقت.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
iman(الإيمان، أ-م-ن): والفَرقُ مَنصوصٌ لا مُستَنبَط، فآيةٌ
واحِدةٌ تَجمَعُهُما في نَفَسٍ واحِد: «أَوَلَمْ تُؤْمِن» ثُمَّ «بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي». والجَذرانِ يَشتَرِكانِ في آخِرِ حَرفَين (م ثُمَّ ن: ضَمٌّ ثُمَّ احتِواءٌ في جَوف) ويَفتَرِقانِ في الأوَّلِ وَحدَه: ء انطِباقٌ تامٌّ يَقطَعُ مَجرى النَّفَسِ من أصلِه ثُمَّ يُطلِقُه دَفعةً، وط إطباقٌ عَريضٌ يُغَطّي ويَضغَط. فالإيمانُ قَطعٌ يُحسَمُ بِه الأمر، والطُّمَأنينةُ غِطاءٌ يَنزِلُ على المَحسوم. ولِهذا صَحَّ التَّرتيبُ في الآية: القَطعُ واقِعٌ والغِطاءُ مَطلوب، ولَو انعَكَسَ لَم يَستَقِمْ.
sakina(السَّكينة، س-ك-ن): أقرَبُ المُجاوِراتِ وأخطَرُها.
والسَّكينةُ في المُسَجَّلِ عَينٌ تُحمَلُ: «فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ» (٢:٢٤٨)، فهي مَوضوعةٌ في تابوتٍ يُؤتى بِه وتَحمِلُه المَلائِكة. والطُّمَأنينةُ لَيسَت عَيناً تُنقَلُ بَل حالَ ما نَزَلَ عَلَيه الغِطاء، ولِذلك لا يُقالُ فيها «فيه طُمَأنينة». فتِلكَ تُوضَعُ في ظَرف، وهذه تَقَعُ على ظَرف.
sukun(السُّكون، س-ك-ن): والفَرقُ يُقاسُ بِالأمر. السُّكونُ
يُؤمَرُ بِه صَريحاً («اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ»، ٢:٣٥)، والطُّمَأنينةُ لا يُؤمَرُ بِها في مَوضِعٍ واحِدٍ من أربَعة. وهذا فَرقٌ في البِنيَةِ لا في الدَّرَجة: ما يُؤمَرُ بِه يَقدِرُ عَلَيه المَأمور.
thabat(التَّثبيت، ث-ب-ت): والتَّثبيتُ يُطلَبُ ويَقَعُ على
البَدَنِ صَراحةً («وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا»، ٢:٢٥٠)، والطُّمَأنينةُ لا تُطلَبُ لِبَدَنٍ ولا تَقَعُ عَلَيه مَفعولاً. وقَد وُصِفَ بِها ماشونَ في ١٧:٩٥، والمَشيُ بَدَنيّ، لَكِنَّها هُناكَ حالٌ لِلماشينَ لا فِعلٌ يَقَعُ على أقدامِهِم. فالفَرقُ في جِهَةِ الوُقوع: التَّثبيتُ يُفعَلُ بِالعُضو، والطُّمَأنينةُ تُوصَفُ بِها الذّاتُ وهي تَمشي.
yaqin(اليَقين، ي-ق-ن): اليَقينُ وَصفٌ لِلعِلمِ نَفسِه،
والطُّمَأنينةُ وَصفٌ لِلمَحَلِّ الذي حَلَّ فيه العِلم. ولِذلك جازَ في ٢:٢٦٠ أن يَجتَمِعَ إقرارٌ تامٌّ وطَلَبٌ باقٍ، ولَو كانَ المَطلوبُ يَقيناً لَكانَ الإقرارُ ناقِصاً.
qalb(القَلب، ق-ل-ب) وnafs(النَّفس، ن-ف-س): وهُما
المَحَلّانِ في ثَلاثةٍ من أربَعة، والرّابِعُ (١٧:٩٥) حالٌ لِجَماعةٍ تَمشي لا وَصفٌ لِجَوف. ويُلاحَظُ أنَّ القَلبَ جَذرُه تَقَلُّبٌ وتَحَوُّل، فيَكونُ أولى ما يُغَطّى.
qu3ud(القُعود، ق-ع-د): الوَجهُ المُقابِلُ في المُدَوَّنة،
ومَوضِعُ الفَرقِ في القِسمِ الخامِس.
المَواضع: مَواقعُ الطُّمَأنينةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٦٠ ﴿قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُسَجَّلَ طَلَباً بَعدَ إقرارٍ تامّ، لا بَديلاً عنه: يُسأَلُ «أَوَلَمْ تُؤْمِن» فيُجابُ بِـ«بَلَىٰ» أوَّلاً، ثُمَّ يُستَدرَكُ بِـ«ولٰكِن». فالطُّمَأنينةُ زائِدةٌ على التَّصديقِ لا تَمامٌ لَه ولا شَرطٌ فيه، وهذا يُقَيِّدُ كُلَّ قِراءةٍ تَجعَلُ طَلَبَ السُّكونِ نَقصاً في الإيمان. والفاعِلُ «قَلْبِي» لا السّائِل، فالطّالِبُ يَطلُبُ لِعُضوٍ منه ما لا يَملِكُ أن يُنزِلَه عَلَيه. والجَوابُ الذي أُعطِيَ لَيسَ خَبَراً يُسمَعُ بَل عَمَلاً يُعمَلُ ويُرى («فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ»)، فيَظهَرُ من أوَّلِ مَوضِعٍ أنَّ الغِطاءَ يَنزِلُ بِمُشاهَدةٍ لا بِزِيادةِ قَول. انظُر
imanوqalbوihyaوtayrوibrahim.
- ٣:١٢٦ ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾: الغايةُ يَصنَعُ اللهُ سَبَبَها. الجَديدُ: يُصَرَّحُ لِأوَّلِ مَرّةٍ بِمَن يَصنَعُ السَّبَب، ويُصَرَّحُ بِه في أُسلوبِ حَصر: «وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا» تَقصُرُ الجَعلَ كُلَّه على البُشرى والطُّمَأنينة، فتَصيرُ الطُّمَأنينةُ مَقصودةً بِالجَعلِ لا أثَراً تابِعاً له. ويَنتَقِلُ المَحَلُّ من قَلبٍ واحِدٍ إلى قُلوبِ جَماعة، فيَثبُتُ أنَّها لا تَختَصُّ بِمَقامٍ ولا بِواحِد. و«بِهِ» تَذكُرُ الواسِطةَ صَريحاً، فلا تَنزِلُ الطُّمَأنينةُ في المُسَجَّلِ إلّا بِشَيءٍ يُشارُ إلَيه. وتُختَمُ الآيةُ بِقَصرِ النَّصرِ على اللهِ وَحدَه، فيُفصَلُ بَينَ ما يَسكُنُ إلَيه القَلبُ وما يَقَعُ بِه الأمر: هذا بُشرى وذاكَ نَصر. انظُر
bushra-bashirوnasrوqalbوizza.
- ١٧:٩٥ ﴿لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾: الحالُ تَخرُجُ من الجَوف. الجَديدُ: يَقَعُ الوَصفُ لِأوَّلِ مَرّةٍ على غَيرِ قَلبٍ ولا نَفس، وعلى جَماعةٍ لا على واحِد، وفي حالِ مَشيٍ لا في حالِ سُكون. فيَسقُطُ حَصرُ المَحَلِّ في المُجَوَّفِ الذي كانَ يُقرَأُ من ثَلاثةٍ من ثَلاثة، ويَبقى ما هو أدَقُّ مِنه: أنَّ الجَذرَ يُوصَفُ بِه ولا يُفعَل. فالكَلِمةُ هُنا حالٌ مَنصوبةٌ من فاعِلِ «يَمْشُونَ»، لا أمرٌ ولا مَفعولٌ ولا خَبَرٌ مُستَأنَف، وهو نَفسُ ما اطَّرَدَ في الثَّلاثةِ الأُخرى. ويَزيدُ المَوضِعُ أنَّ الجَمعَ بَينَ المَشيِ والطُّمَأنينةِ مُمكِنٌ: الغِطاءُ لا يُوقِفُ ما تَحتَه، وإنَّما يَستَقِرُّ ما تَحتَه وهو يَجري. ويَقَعُ ذلك في جُملةِ شَرطٍ امتِناعِيّةٍ («لَّوْ»)، فالمَوصوفونَ مَفروضونَ لا مُخبَرٌ عن وُقوعِهِم، والوَصفُ مَع ذلك يَجري على قِياسِ اللُّغةِ فيُقاسُ عَلَيه.
- ٨٩:٢٧ ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾: الوَصفُ اللّازِمُ، ولا أمرَ بِه. الجَديدُ: يَخرُجُ الجَذرُ من الفِعلِ إلى الوَصفِ، فيَسقُطُ عنه الزَّمَنُ والسَّبَبُ والواسِطةُ جَميعاً: لا لامَ تَعليلٍ ولا «بِهِ» ولا قَبلَه سُؤال. ويَنتَقِلُ المَحَلُّ من القَلبِ إلى النَّفسِ كُلِّها، فيَعُمُّ ما كانَ خاصّاً بِعُضو. وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يُنادى فيه صاحِبُ الحالِ بِحالِه، فتَصيرُ الطُّمَأنينةُ اسماً يُعرَفُ بِه المُنادى لا شَيئاً يُطلَبُ لَه. ويَلي النِّداءَ أمرٌ ﴿ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، فيَجتَمِعُ في مَوضِعَينِ مُتَتابِعَينِ ما يُؤمَرُ بِه وما لا يُؤمَرُ بِه: الرُّجوعُ مَأمورٌ والطُّمَأنينةُ مَوصوفة. وهذا أصرَحُ ما في المُسَجَّلِ على أنَّ الجَذرَ لا يَدخُلُ بابَ التَّكليف. انظُر
nafsوruju3وridaوibadaوjannah.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ
imanفي ٢:٢٦٠: المَفهومانِ يَقرَآنِ خِطاباً واحِداً من
طَرَفَيه. iman يَقرَأُ ما أُقِرَّ بِه، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما بَقِيَ مَطلوباً بَعدَ الإقرار. والفائِدةُ في اجتِماعِهِما: التَّصديقُ التّامُّ لا يُغني عن السُّكون، ولا يَنقُصُ بِطَلَبِه.
- مَعَ
bushra-bashirوnasrفي ٣:١٢٦: الآيةُ تَضَعُ ثَلاثةً في
نَسَقٍ واحِد، بُشرى وطُمَأنينةً ونَصراً، ثُمَّ تَقصُرُ النَّصرَ على اللهِ وَحدَه. فتُقرَأُ الطُّمَأنينةُ في وَسَطِ السِّلسِلة: أثَراً لِلبُشرى، ولَيسَت هي النَّصرَ ولا سَبَبَه.
- مَعَ
nafsوruju3وridaوibadaوjannahفي ٨٩:٢٧-٣٠:
أربَعةُ مَواضِعَ مُتَتابِعةٍ تَبتَدِئُ بِوَصفٍ لا يُؤمَرُ بِه ثُمَّ ثَلاثةُ أوامِرَ مُتَوالِيَة (ارجِعي، فادخُلي، وادخُلي). فالوَصفُ هو الذي يُؤَهِّلُ لِلأمر، لا الأمرُ هو الذي يُنشِئُ الوَصف.
- مَعَ
sakinaعَبرَ ٢:٢٤٨: المَفهومانِ يَقرَآنِ سُكوناً
يَنزِلُ من عِندِ الله، ويَفتَرِقانِ في الجِنس: السَّكينةُ مَحمولةٌ في ظَرفٍ يُرى، والطُّمَأنينةُ حالٌ في ظَرفٍ لا يُرى. ومَتى وَرَدا في سورةٍ واحِدةٍ وَجَبَ تَحقيقُ هذا الفَرقِ في المَوضِعَين.
- مَعَ
qu3udفي المُدَوَّنةِ كُلِّها: الجَذرانِ يُسَمِّيانِ
ما كَفَّ عن الحَرَكة، ويَفتَرِقانِ في الجِهةِ افتِراقاً تامّاً. ط-م-ن يُغلَقُ بِـن ومُنتَهاها احتِواءٌ في جَوفٍ ورَنينٌ لا يَنفَجِر، فالطُّمَأنينةُ وِعاءٌ يُصَبُّ فيه. وق-ع-د يُغلَقُ بِـد ومُنتَهاها دَفعٌ نافِذٌ إلى الأمام، فالقُعودُ قاعِدةٌ يَصدُرُ عنها بَيتٌ أو قِتالٌ أو ذِكرٌ أو نَظَر. ويُصَدِّقُ هذا المَحَلُّ والفاعِل: ط-م-ن لا يَقَعُ على مَكانٍ في أربَعةٍ من أربَعة، وق-ع-د لا يَقَعُ على قَلبٍ ولا نَفسٍ في خَمسةٍ من خَمسة. ويَزيدُه بَياناً أنَّ القُعودَ يُختارُ ويُبَوَّأُ ويُحاسَبُ عَلَيه، والطُّمَأنينةَ تُطلَبُ ولا تُفعَل. فالسُّكونانِ ضِدّانِ في كُلِّ ما عَدا الظّاهِر. ولا يَنقُضُ هذا ١٧:٩٥، فالمَشيُ فيها فِعلُ صاحِبِ الحالِ والطُّمَأنينةُ حالُه، فهي تُوصَفُ ولا يَصدُرُ عنها شَيء.
الإشكالات المَفتوحة
- الهَمزةُ في «اطمَأَنَّ»: حَرفٌ رابِعٌ أم مُقحَمة؟ المُسَجَّلُ
يَكتُبُها في الثَّلاثةِ («يَطْمَئِنَّ»، «تَطْمَئِنَّ»، «الْمُطْمَئِنَّةُ»)، وصَفَحاتُ الآياتِ تَرُدُّ الكَلِمةَ إلى ط-م-ن ثُلاثِيّاً، وعَلَيه بُنِيَت قِراءةُ القِسمِ الأوَّل. ولَو صَحَّ أنَّها رابِعةٌ (ط-م-أ-ن) لَوَجَبَ إدخالُ وَجهِ الهَمزةِ في التَّركيبِ بَينَ الميمِ والنّون، وهو القَطعُ الحادُّ ثُمَّ الإطلاق، فيَصيرُ الغِطاءُ نازِلاً بَعدَ قَطع. والقِراءةُ لا تَنهَدِمُ بِذلك لكنَّها تَتَغَيَّر. مَفتوح.
- أربَعةُ مَواضِعَ: أتَكفي لِحُكمِ الغِياب؟ كانَ السُّؤالُ
مَبنِيّاً على ثَلاثةٍ وكانَ الغائِبُ سَبعةَ أشياء، ثُمَّ نُشِرَت ١٧ فجاءَت ١٧:٩٥ فأسقَطَت مِنها اثنَين: «لا جَماعة» و«لا بَدَن». وبَقِيَ الغائِبُ خَمسةً مُطَّرِدةً في أربَعةٍ من أربَعة: لا أمر، ولا ماضٍ، ولا مَصدَر، ولا مَفعولَ بِه، ولا خَبَرَ مُستَأنَف. وهذا هو الدَّرسُ المُستَفادُ من المَوضِعِ الرّابِع: ما سَقَطَ كانَ حَصراً في المَحَلِّ، وما ثَبَتَ كانَ حُكماً في البِنيَة. وأربَعةٌ لا تَزالُ أقَلَّ من أن يُبنى عَلَيها حُكمٌ في اللُّغة. يُنتَظَرُ تَسجيلُ سُوَرٍ أُخرى فيها الجَذر.
- «الْمُطْمَئِنَّةُ» اسمُ فاعِل، فهَل النَّفسُ فاعِلةٌ حَقّاً؟
الوَزنُ يُعطي الفاعِلِيَّة، وقِراءةُ القِسمِ الأوَّل تُعطي القُبول: مَن نَزَلَ عَلَيه الغِطاء. ولا يَحسِمُ المَوضِعُ نَفسُه لِأنَّ الفِعلَ لازِمٌ لا يَظهَرُ فيه أثَرُ التَّعدِيَة. والفَرقُ عَمَليّ: على الأوَّلِ تُحمَدُ النَّفسُ بِفِعلِها، وعلى الثّاني تُحمَدُ بِما قَبِلَت.
- «بِهِ» في ٣:١٢٦: لِلسَّبَبِيَّةِ أم لِلآلة؟ إن كانَت لِلسَّبَبِيَّةِ
فالبُشرى تُنشِئُ الطُّمَأنينة، وإن كانَت لِلآلةِ فالطُّمَأنينةُ تَنزِلُ والبُشرى مَجراها. ولا نَظيرَ لَها في المُسَجَّلِ يُقاسُ عَلَيه لِأنَّ المَوضِعَينِ الآخَرَينِ خالِيانِ من حَرفِ الجَرّ.