البقرة · الآية 260

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

«رَبِّ أرِني كَيفَ تُحيي المَوتى»: صيغةُ الدُّعاءِ الأُنسيَّة

«رَبِّ» صيغةُ نِداءٍ مُقتَصَرة، تَدُلُّ عَلى قُربِ الدّاعي مِنَ المَدعوّ، و«أرِني» فِعلُ أمرٍ مُخَفَّفٌ مَعناه طَلَبُ رُؤيةٍ بَصَريَّة، وقد أوثِرَ «أرِني» عَلى «عَلِّمني» و«أخبِرني». والمُؤَكَّدُ أنَّ الفَرقَ بَينَ الصِّيَغِ الثَّلاثِ جَوهَريّ: «عَلِّمني» يَطلُبُ مَعرِفةً نَظَريَّة، و«أخبِرني» يَطلُبُ خَبَرًا، و«أرِني» يَطلُبُ عِيانًا، فإبراهيمُ يَطلُبُ الدَّرَجةَ الأعلى مِنَ المَعرِفة، وهي مُعايَنةُ الفِعلِ الإلَهيّ.

«كَيفَ» لا «أنَّى» ولا «هَل»

والسُّؤالُ بِـ«كَيفَ» فَريدٌ في الآيَتَين، فقد كانَ السُّؤالُ في الآيةِ السّابِقةِ (259) بِـ«أنَّى»، وهو استِبعادٌ أقرَبُ إلى الاستِنكار، وهو هُنا بِـ«كَيفَ»، وهو طَلَبُ تَوضيحٍ مَعَ تَسليمٍ بِالأصل. والعَرَبيَّةُ تُمَيِّزُ بَينَ أدَواتِ الاستِفهامِ بِحَساسيَّةٍ بَليغة: «هَل يُحيي؟» سُؤالٌ عَن وُقوعِ الفِعلِ أصلًا، و«أنَّى يُحيي؟» استِبعادٌ لِصورةِ الوُقوع، و«كَيفَ يُحيي؟» طَلَبٌ لِمُشاهَدةِ كَيفيَّةِ الوُقوعِ بَعدَ التَّسليمِ بِأنَّه واقِع، وإبراهيمُ في الدَّرَجةِ الثّالِثة.

«أوَلَم تُؤمِن؟ قالَ بَلى»: السُّؤالُ التَّأسيسيّ

و«أوَلَم» استِفهامٌ مُرَكَّبٌ مِن هَمزةٍ وواوٍ عاطِفةٍ و«لَم» نافِيةٍ جازِمة، والمَعنى: أما آمَنتَ؟ وهو دَعوةٌ لِإبراهيمَ أن يَنطِقَ بِتَسميةِ ما يَطلُبُه، وليسَ إنكارًا لِإيمانِه. وقد أجابَ «بَلى»، وهي حَرفُ جَوابٍ يُثبِتُ ما نُفِيَ عَنه، أي: نَعَم آمَنتُ، ثُمَّ جاءَ الاستِدراك: «ولَكِن لِيَطمَئِنَّ قَلبي». والمُؤَكَّدُ أنَّ الجَوابَ بِـ«بَلى ولَكِن» أسلوبٌ تَعليميٌّ بَليغ، يُعَلِّلُ طَلَبَ المُشاهَدةِ بِدَليلٍ لَه وَزن، زِيادةً عَلى إثباتِ الإيمان.

(ط م ن) و(ق ل ب): الطُّمَأنينةُ القَلبيَّةُ دَرَجةٌ مَعرِفيَّةٌ قائِمةٌ بِذاتِها

وأصلُ (ط م ن) السُّكونُ بَعدَ اضطِراب، و«اطمَأنَّ قَلبي» مَعناه سَكَنَ وارتاح، و(ق ل ب) مَركَزُ الوَعيِ العَميقِ في الاصطِلاحِ القُرآنيّ. وإبراهيمُ يُمَيِّزُ بَينَ الإيمانِ مَوقِفًا عَقليًّا مُقَرَّرًا، والطُّمَأنينةِ ذَوقًا قَلبيًّا مُعاشًا، ولا يَنفي إيمانَه. وكِلاهُما مَطلوب، لَكِنَّ الأوَّلَ قابِلٌ لِلتَّحَقُّقِ بِالحُجَّة، والثّانيَ يَحتاجُ إلى مُعايَنةٍ أو تَجرِبة، وفي هَذا تَأسيسٌ لِفِكرةِ «عِلمِ اليَقين» مُقابِلَ «عَينِ اليَقين» الذي صارَ مَبحَثًا تَصَوُّفيًّا لاحِقًا.

(ر ب ع) و(ط ي ر): اختيارُ أربَعةٍ مِن الطَّيرِ لا شَيءٍ آخَر

وفي «فَخُذ أربَعةً مِن الطَّير» أصلُ (ر ب ع) العَدَدُ الرّابِع، والطَّيرُ أقرَبُ الكائِناتِ الحَيَّةِ إلى التَّمَيُّزِ بِالحَرَكةِ السَّريعةِ والقُدرةِ عَلى التَّحَرُّرِ مِنَ القَيد. ولم يُعَيِّنِ القُرآنُ نَوعَ الطَّير، فاكتُفِيَ بِالجِنس. واختيارُ الأربَعةِ قَد يَكونُ لِتَوزيعِها عَلى الجِهاتِ الأربَعِ (مَشرِق، مَغرِب، شَمال، جَنوب)، أو لِلتَّمييزِ بَينَها أنواعًا مُختَلِفة، والذي يَستَوضِحُه النَّصُّ أنَّ التَّعَدُّدَ مَقصود، فالإحياءُ جَمعُ أربَعةٍ مُتَمَيِّزةٍ مِن أجزاءٍ مُتَفَرِّقة، وليسَ إعادةَ طائِرٍ واحِد.

(ص و ر): «صُرهُنَّ إلَيك»: الجَمعُ قَبلَ التَّفريق

وفي «فَصُرهُنَّ إلَيك» يَحتَمِلُ الجَذرُ (ص و ر) مَعنَيَينِ مُتَكامِلَين: الأوَّلُ الجَذبُ والإمالة (مِن صارَ الشَّيءَ إلَيه أي أمالَه)، والثّاني التَّقطيعُ (مِن صارَه أي قَطَّعَه). والمَعنيانِ هُنا مُتَكامِلانِ لا مُتَعارِضان: اجذِبهُنَّ إلَيكَ أوَّلًا، ثُمَّ قَطِّعهُنَّ، فالإحياءُ يَتَطَلَّبُ مَعرِفةً دَقيقةً بِالأصلِ قَبلَ التَّفريق، لا إعادةَ تَجميعٍ مِن أجزاءٍ مَجهولة. والمُؤَكَّدُ أنَّه أوثِرَ «صُرهُنَّ» عَلى «اذبَحهُنَّ»، لِيَبقى المَعنى عَلى التَّقطيعِ الذي يَأتي بَعدَ الجَذب.

(ج ب ل) و(ج ز أ): التَّوزيعُ عَلى القِمَم

وفي «ثُمَّ اجعَل عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزءًا» يَعني «كُلِّ جَبَلٍ» التَّوزيعَ عَلى الجِبالِ المُحيطة، دونَ حَصرِها في عَدَدٍ مُعَيَّن، والجُزءُ (ج ز أ) القِطعةُ مِن كُلّ. والتَّصاعُدُ في التَّمرينِ واضِح: جَمع، فتَقطيع، فتَوزيعٌ عَلى مَسافاتٍ بَعيدة، فدُعاء، وكُلُّ مَرحَلةٍ تَزيدُ مِن صُعوبةِ إعادةِ التَّركيبِ في إدراكِ البَشَر. فكَأنَّ الرِّسالةَ: اللهُ قادِرٌ عَلى إعادةِ تَركيبِ ما فَرَّقتَه أنتَ بِيَدِكَ عَلى قِمَمٍ بَعيدة، فكَيفَ بِما لَم تُفَرِّقْه أنت؟

(د ع و) و(س ع ي): النِّداءُ يَجمَعُ المُبَعثَر

وفي «ثُمَّ ادعُهُنَّ يَأتينَكَ سَعيًا» أصلُ (د ع و) النِّداءُ لِيُقبِلَ المُنادى، وأصلُ (س ع ي) السَّيرُ الحَثيثُ، وهو أسرَعُ مِنَ المَشيِ ودونَ الجَريِ المُفرِط. والتَّعبيرُ «يَأتينَك سَعيًا» يُصَوِّرُ الحَرَكة، فالطُّيورُ المُقَطَّعةُ تَستَجيبُ لِلنِّداءِ بِسَعيٍ نَشِط، ولا يَكفي فيه وُصولٌ ساكِن. واختارَ القُرآنُ «سَعيًا» لا «طَيَرانًا» مَعَ أنَّها طُيور، لِيُحَقِّقَ دَلالةً أُخرى، هي أنَّ السَّعيَ مَصدَرٌ يَدُلُّ عَلى إرادةٍ وبَذلٍ لا عَلى مَشيٍ عاديّ، فكَأنَّ الطُّيورَ تَسعى عَودَها إلى مَنبَعِ الدَّعوة، ولا تَكتَفي بِالعَودة.

(ع ز ز) و(ح ك م): الخاتِمةُ المُرَكَّبة

وفي «واعلَم أنَّ اللهَ عَزيزٌ حَكيم» أصلُ (ع ز ز) المَنَعةُ والصَّلابة، ومِنه العَزيزُ الذي لا يُرامُ جانِبُه، وأصلُ (ح ك م) المَنعُ مِنَ الخَلَلِ بِإحكامِ الصُّنع. والجَمعُ بَينَ الاسمَينِ يُعطي قانونًا: القُوَّةُ وَحدَها تَكفي لِلإحياء، لَكِنَّ الحِكمةَ تَضمَنُ أن يَقَعَ الإحياءُ عَلى نَحوٍ يَتَعَلَّمُ مِنه السّائِل. والمُؤَكَّدُ أنَّ الخاتِمةَ لا تَذكُرُ «الرَّحمة» مَعَ أنَّ التَّعامُلَ مَعَ إبراهيمَ رَحيم، لأنَّ المَقامَ مَقامُ تَأصيلِ اليَقينِ بِالقُدرة، لا تَأكيدِ الرَّحمة، والسِّياقُ هو الذي يُحَدِّدُ الاسمَ الخاتِميَّ المُناسِب.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فدَورُ «الطُّمَأنينةِ القَلبيَّةِ بَعدَ الإيمانِ العَقليّ» يَسبِقُ دَعوى أنَّ اليَقينَ دَرَجةٌ واحِدة، ودَورُ «التَّمرينِ العَمَليِّ لِلحَقيقة» يَسبِقُ الاكتِفاءَ بِالحُجَّةِ النَّظَريَّةِ وَحدَها.


حَصيلة

إبراهيمُ هُنا طالِبٌ مِن رَبِّه، وليسَ الرّادَّ عَلى الطّاغوتِ كَما في 2:258، وسُؤالُه رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾ جاءَ بِـ«كَيفَ» دونَ «هَل» و«أنَّى»، فالإيمانُ مُسَلَّمٌ بِه، والمَطلوبُ مُشاهَدةُ الكَيفيَّة. ورَدُّ اللهِ أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ دَعوةٌ لِإبراهيمَ أن يُسَمِّيَ طَلَبَه تَسميةً دَقيقة، وليسَ عِتابًا، فأجابَ: بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. والطُّمَأنينةُ (ط-م-ن) دَرَجةٌ مَعرِفيَّةٌ قائِمةٌ بِنَفسِها، هي إيمانٌ تَتَنَزَّلُ عَلَيه طَبَقةُ السُّكونِ التَّجرِبيّ. والجَوابُ الإلَهيُّ تَمرينٌ مُتَصاعِد: أخذُ أربَعةٍ مِنَ الطَّير، وجَمعٌ ثُمَّ تَقطيع، وتَوزيعٌ عَلى كُلِّ جَبَلٍ (ج-ب-ل) يَكونُ بِه التَّباعُدُ أقصى، ثُمَّ نِداء: ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾، وقد اختارَ القُرآنُ «سَعيًا» دونَ «طَيَرانًا» لِأنَّ السَّعيَ (س-ع-ي) يَدُلُّ عَلى إرادةٍ ناشِطة، ولا يَكفي فيه أن يَكونَ عَودةً طَبيعيَّة. وتُختَمُ الآيةُ بِاسمَينِ مُقتَرِنَين: عَزيزٌ (ع-ز-ز)، وهو دالٌّ عَلى المَنَعةِ التي تَكفي لِفِعلِ الإحياء، وحَكيمٌ (ح-ك-م)، وهو دالٌّ عَلى أنَّ التَّمرينَ بُنِيَ بِإحكامٍ لِيُنتِجَ طُمَأنينةَ القَلب، ولا يَقِفَ بِصاحِبِه عِندَ الدَّهشةِ والوُقوفِ عَلى العَجَب.