الفجر · الآية 27

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ

«يا أيَّتُها»: نِداءٌ يُقبِلُ على المُخاطَبِ بِعَينِه

تَنقَلِبُ الآيةُ من سِياقِ الإخبارِ والوَعيدِ المُتَقَدِّمِ إلى نِداءٍ مُباشِر، و«يا» أداةُ نِداءٍ تَستَدعي البَعيدَ كأنَّه قَريب، فتُقبِلُ على المُنادى وتُفرِدُه بِالخِطابِ من بَينِ ما قَبلَه. ولَحِقَتها «أيَّتُها» وُصلةً تُمَكِّنُ النِّداءَ من المُعَرَّفِ بِالألِفِ واللّام، فاجتَمَعَ في الصَّدرِ إقبالٌ وتَعيين، والمُرادُ هذا المُنادى بِعَينِه لا غَيرُه.

والنِّداءُ هنا يَفصِلُ مَوقِفاً عن مَوقِف، فبَعدَ كَلامٍ عن نَفسٍ تَقرَأُ العَطاءَ إكراماً والمَنعَ هَواناً يَأتي خِطابٌ لِنَفسٍ على حالٍ أُخرى تَماماً، تُدعى بِاسمِها ووَصفِها مَعاً. وصَدرُ الآيةِ يُهَيِّئُ الأُذُنَ لِمَن سَيُنادى، وهو النَّفسُ المَوصوفةُ بِما يَلي دونَ الجِنسِ كُلِّه.

«النَّفسُ»: الذاتُ التي يَجري فيها الأمرُ كلُّه

ومادّةُ ن-ف-س تَدورُ على خُروجٍ مُتَنَفِّسٍ يَتَرَدَّدُ بَينَ باطِنٍ وظاهِر، فالنَّفَسُ هَواءٌ يَخرُجُ ويَعود، والتَّنَفُّسُ تَرَدُّدُه، و«نَفُسَ الشَّيءُ» إذا غَلا وعَزَّ حتّى تَتَنافَسَ فيه الرَّغَبات. والنَّفسُ من هذا الأصلِ هي الذّاتُ الحَيّةُ التي يَجري فيها هذا التَّرَدُّد، يَنازِعُها الهَوى ويَجاذِبُها الرُّشد، فهي مَوضِعُ الاختِبارِ الذي تَقَدَّمَ ذِكرُه.

وإفرادُ «النَّفس» بِالنِّداءِ يَجعَلُها هي المُخاطَبة، لا البَدَنُ ولا المَتاع. فالذي قِيلَ فيه قَبلُ إنَّه يَقرَأُ حالَه على غَيرِ وَجهِه هو النَّفس، والذي يُدعى الآنَ على الوَجهِ السَّليمِ هو النَّفسُ نَفسُها بَعدَ أن استَقَرَّ فيها الأمرُ على قَرار، والكَلِمةُ بِذلك تَنقُلُ المُخاطَبَ من ظاهِرِ العَيشِ إلى باطِنِ الذّات.

«المُطمَئِنَّةُ»: سُكونٌ يَثبُتُ بَعدَ اضطِراب

والوَصفُ من ط-م-ن، وهو أصلٌ يَدورُ على انخِفاضٍ يَسكُنُ ويَثبُتُ بَعدَ نُتوءٍ واضطِراب، يُقالُ «اطمَأنَّ المَوضِعُ» إذا انخَفَضَ وغارَ فاستَقَرَّ فيه ما عَلاه، و«اطمَأنَّ القَلبُ» إذا سَكَنَ بَعدَ قَلَقٍ فلم يَضطَرِب. فالاطمِئنانُ سُكونُ ما تَحَرَّكَ ونازَعَ ثُمَّ خَلَصَ إلى قَرارٍ يَثبُتُ عَلَيه، وهو غَيرُ سُكونِ الجامِدِ الذي لم يَتَحَرَّك.

فالنَّفسُ المُطمَئِنّةُ نَفسٌ هَدَأَ فيها التَّرَدُّدُ الذي يَدُلُّ عَلَيه جِذرُها، فقد كانَت تَتَنَفَّسُ بَينَ شَدٍّ وجَذب، ثُمَّ ثَبَتَت على قَرار. وهذا الوَصفُ يُقابِلُ ما تَقَدَّمَ من نَفسٍ تَضطَرِبُ بِالعَطاءِ والمَنعِ فتُسيءُ القِراءةَ في الحالَين، فالاطمِئنانُ جَوابُ ذلك الاضطِراب، وهو حالُ ذاتٍ وَجَدَت أينَ تَستَقِرّ.


حَصيلة

يَنقَلِبُ الخِطابُ بِـ«يا أيَّتُها» إلى نِداءٍ يُقبِلُ على المُنادى ويُفرِدُه بِالتَّعيين، فيَفصِلُ هذه النَّفسَ عَمّا تَقَدَّمَ من حالِ الاضطِراب. و«النَّفس» من ن-ف-س، وهي الذّاتُ الحَيّةُ التي يَتَرَدَّدُ فيها الأمرُ بَينَ باطِنٍ وظاهِر، وهي مَوضِعُ الاختِبار. و«المُطمَئِنّة» من ط-م-ن، وهي المَوصوفةُ بِسُكونٍ يَثبُتُ بَعدَ نُتوءٍ واضطِراب، أي قَرارِ مَن نازَعَ ثُمَّ استَقَرّ، دونَ جُمودِ مَن لم يَتَحَرَّك. فالآيةُ تُنادي الذّاتَ التي هَدَأَ تَرَدُّدُها فثَبَتَت على قَرار، في مُقابَلةٍ صَريحةٍ لِنَفسٍ كانَت تَضطَرِبُ بِالعَطاءِ والمَنعِ فتُخطِئُ قِراءةَ حالِها.