آل عمران · الآية 126

﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

«وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ»: البُشرى تُسكِّنُ القلبَ ولا تَملِكُ المَدد

تَعطِفُ الواوُ جُملةً تَعودُ بضميرِ «جعله» إلى الإمدادِ المَذكور، واسمُ الله فيها فاعِلٌ ظاهر. والجَعلُ من ج-ع-ل، وهو اجتِماعٌ يَظهَرُ من العُمقِ ثمّ يَتَعَلَّقُ ويمتَدُّ حتى يَصيرَ الشيءُ في حالٍ أو وَظيفة، و«ما... إلا» تَحصُرُ هذه الوَظيفةَ في البُشرى. والبُشرى من ب-ش-ر اتصالٌ يَجتَمِعُ في ضَمٍّ ثمّ يَجري مُستَرسِلاً إلى ظاهرِ صاحِبِها، فتَحمِلُ خَبراً يَنبَسِطُ له الوجه. واللّامُ تَجعَلُها للمخاطَبين، غيرَ قُوّةٍ مستقِلّةٍ بذاتها.

«وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ»: الغايةُ تَنقُلُ البُشرى إلى سَكينةِ الداخل

وتَعطِفُ الواوُ لامَ الغايةِ على «لكم»، فتَفتَحُ أثراً ثانياً للجَعل: أن تَطمئنَّ قلوبُكم به. والطُّمأنينةُ من ط-م-ن إطباقٌ عَريضٌ يَجتَمِعُ في ضَمٍّ ثمّ يَحتَوي في الباطن، ويُكثِّفُ البناءُ استِقرارَ الحَرَكةِ بعدَ اضطراب. والقلوبُ فاعِلُ الفِعلِ ومضافةٌ إلى المخاطَبين، والباءُ تَصِلُ طُمأنينتَها بضميرِ المَددِ أو الجَعلِ المذكور. وغايةُ النَّظمِ أثرٌ داخليٌّ مَضبوط، هو قلوبٌ تَسكُنُ بما جُعِلَ لها بُشرى، والأثرُ واقعٌ في المَوضِعِ الذي سَمّاهُ اللفظُ دونَ ما حَولَه.

«وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ»: النَّصرُ يَبقى عندَ المَصدَر

ثمّ تَعودُ صيغةُ «ما... إلا»، وقد حَصَرَت هذه المرّةَ النَّصرَ نفسَه، لا وَظيفةَ المَدد. والنَّصرُ من ن-ص-ر احتِواءٌ يَلتَقي بإمساكٍ صُلبٍ ثمّ يَجري مُستَرسِلاً في عَونٍ يَحمِل. و«من عند الله» تَجعَلُ المَصدَرَ والجِهةَ عندَه وحدَه، ولفظُ «عِند» يَضَعُ النَّصرَ في حَيِّزِ صاحِبِه قبلَ أن يَصِلَ إلى أحد. وبذلك يَفصِلُ النَّظمُ بينَ البُشرى التي تَطمئنُّ بها القلوبُ وبينَ النَّصرِ الذي حَصَرَته الآيةُ في هذه الجِهة. والمَددُ سببُ طُمأنينة، وأمّا مَنبَعُ العَونِ فالله.

«الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ»: الصِّفتانِ تُحكِمانِ القُوّةَ والمِقدار

وتَتبعُ صِفتا «العزيز الحكيم» اسمَ الله المجرور. والعِزّةُ فيها قُوّةٌ مَنيعةٌ لا يُنالُ مَركزُها، فتَناسِبُ حَصرَ النَّصرِ عندَه. والحِكمةُ من ح-ك-م تضييقٌ يَكتُمُ ويُمسِكُ ثمّ يَجتَمِعُ في ضَمٍّ وتَماسُك، فتَضعُ الشيءَ في مِقدارٍ مُحكَم، و«حكيم» صِفةٌ ثابتةٌ تَحمِلُ استمرارَ هذا الإحكام. فلا تكونُ القُوّةُ مُنفَلِتةً من المِيزان، ولا تكونُ البُشرى بديلاً من فاعِلِ النَّصرِ العزيزِ الحكيم.


حَصيلة

يُقيمُ النَّظمُ حَصرَينِ يَمنَعانِ الخَلط: المَددُ جَعَلَه الله بُشرى للمخاطَبينَ ووسيلةً إلى طُمأنينةِ قلوبِهم، وهذه هي الوَظيفةُ التي حَصَرَتها «ما... إلا» فيه. والنَّصرُ لا يكونُ إلا من عندِ الله، فالحَصرُ الثاني يَرُدُّ المَنبَعَ إلى الاسمِ وحدَه، ويُبقي الحِسَّ الظاهرَ في مَوضِعِ البِشارةِ دونَ مَوضِعِ الفاعِل. ثمّ تَجمعُ صِفتا العزيزِ الحكيمِ القُوّةَ والإحكامَ في الاسمِ الذي صَدَرَ عنه الجَعلُ والنَّصر. والطُّمأنينةُ أثر، والبُشرى وَظيفة، والله مَصدَرُ العَون.