الإسراء · الآية 95

﴿قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا

«قُل لَّوْ كَانَ»: جَوابٌ يُفرَضُ ولا يُخاصَم

الاعتِراضُ قَبلَ هذه الآيةِ قَولٌ قيل، والجَوابُ هُنا فَرضٌ يُقام، وهو غَيرُ رَدٍّ عَلَيه ولا تَصحيحٍ لَه.

و«لَو» أداةُ الشَّرطِ المُمتَنِع، تَفرِضُ ما لم يَقَع ثُمَّ تُخبِرُ بِما كانَ يَتبَعُه لَو وَقَع، فلا شَيءَ في الآيةِ يُنكَرُ ولا شَيءَ فيها يُسَلَّم، وتُبنى صورةٌ أُخرى ويُقالُ ما يَلزَمُ عنها، ويُترَكُ القارِئُ أمامَ الصّورَتَين.

ثُمَّ جاءَ «قُل» في صَدرِ الآية، والجَوابُ مُلقىً على المُخاطَبِ لا مُؤَلَّفٌ منه، يَحمِلُ كَلاماً لم يَصُغْه في خُصومةٍ لم يَفتَحْها، ومَن أُعطِيَ جَوابَه لم يَحتَجْ إلى أن يَغضَبَ لَه.

«فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ»: الظَّرفُ يَسبِقُ المَفروض

وقُدِّمَ المَوضِعُ على المَفروضِ فيه، فبُدِئَ بِالأرض، وعُدِلَ عن «لَو كانَ مَلائِكةٌ في الأرضِ»، فالفَرضُ مُعَلَّقٌ بِالمَوضِعِ أوَّلاً، والمَفروضُ يَأتي بَعدَه لِيَملَأَه.

و«مَلائِكةٌ» نَكِرة، فهي جِنسٌ يُفرَضُ حُلولُه في مَوضِع، غَيرُ المَلائِكةِ المَعروفةِ يُخبَرُ عنها. والمَلَكُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، والأرضُ كَذلك، والذي تَزيدُه هذه الآيةُ أنَّها تَضَعُ الأوَّلَ في الثّانيةِ فَرضاً وتَنظُرُ ماذا يَلزَم.

«يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ»: الشَّرطُ في المِشيةِ لا في الوُجود

وهُنا مَوضِعُ الآية، فقد عُلِّقَ بِـ«مَلائِكةٌ» شَيئان: جُملةٌ فِعلِيّةٌ في مَوضِعِ الوَصف، وحالٌ مَنصوبة. ولَو كانَ الفَرضُ أن تَكونَ المَلائِكةُ لَكَفى «لَو كانَ في الأرضِ مَلائِكةٌ» ووَقَفَ الكَلام، والكَلامُ لم يَقِفْ عِندَه.

و«يَمْشُونَ» من م-ش-ي، وهو نُفوذٌ يَتَفَشّى في خُطىً دَقيقةٍ مُتَتابِعةٍ يَمتَدُّ بِها ولا يَنقَطِع، فالمَشيُ تَوزيعُ الحَرَكةِ على الأرضِ خَطوةً خَطوة، وهو غَيرُ النَّقلةِ الواحِدةِ تُقطَعُ بِها المَسافة، والماشي يُلاصِقُ ما تَحتَه في كُلِّ وَضعةِ قَدَم.

ثُمَّ «مُطْمَئِنِّينَ» حالٌ من واوِ الجَماعة، ومادَّتُها احتِباسٌ يَضغَطُ ما تَحتَه ويَحتَويه حتّى يَسكُنَ في جَوفِه فلا يَضطَرِب. فالطُّمَأنينةُ ثِقَلٌ يَستَقِرّ، لا رِضاً في الصَّدرِ ولا أمنٌ من خَوف، والمُطمَئِنُّ في مَوضِعٍ هو الذي لَيسَ في طَريقِه إلى الخُروجِ منه.

فاجتَمَعَ في الفَرضِ أمران: هَيئةُ الحَرَكةِ وهَيئةُ الاستِقرار، أي مِشيةٌ تُوَزَّعُ على الأرض، وسُكونٌ يَثقُلُ عَلَيها. فالشَّرطُ أن تَكونَ الأرضُ مِشيَتَها ومُقامَها، لا أن تُوجَدَ المَلائِكةُ في الأرض.

«مَلَكًا رَّسُولًا»: لَفظانِ يُقابِلانِ لَفظَين

وخُتِمَتِ الآيةُ بِـمَلَكًا رَّسُولًا﴾، وخُتِمَ الاعتِراضُ قَبلَها بِـبَشَرًا رَّسُولًا﴾، وهُما اسمانِ مَنصوبانِ مُنَكَّرانِ في الطَّرَفَين، والثّاني هو الثّاني بِعَينِه، ولا يَتَبَدَّلُ إلّا الأوَّل.

فالجَوابُ يَأخُذُ تَركيبَ السّائِلِ كما هو ويُغَيِّرُ فيه كَلِمةً واحِدة، فلم يُنقَضِ اللَّفظُ ولم يُستَبدَلْ بِه لَفظٌ آخَر، ووُضِعَ المَبنى نَفسُه بِإزاءِ نَفسِه، ولم يَبقَ بَينَ الصّورَتَينِ فارِقٌ إلّا مَن يُرسَلُ إليه.

وبِهذا يَظهَرُ ما تُقَرِّرُه الجُملةُ كُلُّها، وهو أنَّ المُرسَلَ من جِنسِ المُرسَلِ إليه. والرِّسالةُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، والذي تَزيدُه هذه الآيةُ أنَّها تَجعَلُ الجِنسَ شَرطاً لا زينة.

«لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ»: جَوابٌ يُفَرَّقُ لا يُدفَعُ دَفعةً

واللّامُ في «لَنَزَّلْنا» لامُ الجَوابِ عن «لَو»، والفِعلُ على وَزنِ فَعَّل، وهو تَفريقُ الفِعلِ على مَرّاتٍ لا إيقاعُه مَرّةً واحِدة. ومَدارُ ن-ز-ل على انبِعاثٍ يَجري مُنحَدِراً حتّى يَتَعَلَّقَ بِمَحَلٍّ يَحوزُه فيَستَقِرّ.

و«عَلَيْهِمْ» ضَميرٌ يَعودُ على المُطمَئِنّينَ الماشين، لا على القائِلين، فالمُنَزَّلُ في الفَرضِ يَنزِلُ على أهلِ الفَرضِ أنفُسِهِم. و«مِّنَ السَّمَاءِ» ابتِداءُ غايةٍ مَذكور، والسَّماءُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه.

فالنُّزولُ في هذا الفَرضِ يَبقى نُزولاً من فَوقُ إلى تَحت، على مَن ثَقُلَ في الأرضِ واطمَأَنَّ فيها، والفارِقُ بَينَ المُرسِلِ والمُرسَلِ إليه باقٍ لم يُلغَ، والذي بُدِّلَ جِنسُ المَحمولِ إليه فبُدِّلَ جِنسُ الحامِل.


حَصيلة

جَوابٌ يُملى على المُخاطَبِ فلا يَبقى لَه في الخُصومةِ نَصيب، و«لَو» تَفرِضُ ما لم يَكُنْ وتُخبِرُ بِلازِمِه، فلا إنكارَ ولا تَسليم. وقُدِّمَ المَوضِعُ على المَفروضِ فيه، فالفَرضُ في الأرضِ أوَّلاً. ثُمَّ عَلَّقَ بِالمَلائِكةِ مِشيةً وحالاً، هُما نُفوذٌ يَتَوَزَّعُ خُطىً على الأرض، وثِقَلٌ يَحتَبِسُ فيها فيَسكُن، ولم يَقِفْ عِندَ وُجودِهِم، فلا يَتِمُّ الفَرضُ إلّا إذا صارَتِ الأرضُ مَمشاهُم ومُستَقَرَّهُم. ثُمَّ يُقابَلُ الخِتامُ بِالخِتام، اسمانِ مَنصوبانِ مُنَكَّرانِ بِإزاءِ اسمَينِ مِثلِهِما، والثّاني ثابِتٌ والأوَّلُ وَحدَه يَتَبَدَّل. ويَبقى النُّزولُ نُزولاً من سَماءٍ إلى أرض، والذي تَبَدَّلَ جِنسُ المَحمولِ إليه فتَبَدَّلَ جِنسُ الحامِل، فمَن مَشى في الأرضِ واطمَأَنَّ إلَيها جاءَه مَن يَمشي مِثلَه.