البروج · الآية 19

﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ

«بل»: الإضرابُ الذي يُعيدُ التوجيه

و«بل» هنا تتجاوزُ ما قبلها لتُركّزَ على شيءٍ آخر، وما قبلها باقٍ غيرُ منفيّ. فقد ذُكر حديثُ الجنود، وذُكر فرعون وثمود، ثمّ جاءت «بل»: غيرَ أنّ الذين يستمعون الآن في تكذيب. والإضرابُ يصنعُ مقابلةً بين الجنودِ الذين صاروا حديثاً، وهؤلاء الذين لا يزالون داخلَ التكذيب.

وهذا الانتقالُ مقصود، فالسورةُ تعودُ بالتاريخِ إلى الحاضر، ولا تختمُ به. وفرعون وثمود حديثٌ كان، والتكذيبُ المذكورُ هنا حالٌ يجري، وما أُهلكَ من قبل لم يُعلّمِ المُكذِّبين الحاضرين.

«في تكذيب»: الإقامةُ داخلَ النفي

والظرفُ «في» يُشيرُ إلى الإقامة دون المرور، فهم في التكذيب كالشيءِ في وعائه، لا على قربٍ منه ولا دورانٍ حوله. والتكذيبُ من ك-ذ-ب، ومعناه نسبةُ الكذبِ إلى ما جاء، والمُكذِّبُ يقولُ «ما جاءَ ليس صحيحاً»، ولا يقولُ «لا أفهم»، فالتكذيبُ موقفٌ وليس تردُّداً. وكونُهم «في» ذلك يُخبرُ بأنّهم لا يَقتربون من بابِ الخروج منه.


حَصيلة

«بل» إضرابٌ يُعيدُ التوجيه، فبعد حديثِ فرعون وثمود تنتقلُ السورةُ إلى من هم حاضرون في الزمن، فتقول: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾. و«كفروا» من -ك-ف-ر-، وهو تغطيةٌ مُستمرّة تُمسكُ ما كان سينفتحُ وتُغلقُه، والكافرُ على هذا من يُغطّي ما يَعلم، لا من لم يَعلم. وصيغةُ الماضي «كفروا» تصفُ حالاً قائمة، لا فعلاً منتهياً. ثمّ «في تكذيب» من -ك-ذ-ب-، وهو نسبةُ الكذبِ إلى ما جاء، أي فعلٌ موجَّهٌ، وليسَ تردُّداً. وأكثرُ ما في الآيةِ دلالةً حرفُ الجرّ «في»، فهم داخلَ التكذيبِ كالشيءِ في وعائه، غيرُ قريبين منه ولا مارّين به، وتلك إقامةٌ لا عبور. وقد وصلَهم حديثُ فرعون وثمود ولم يُخرجْهم منه، وبقيَ التكذيبُ مسكناً بعد أن أتى الحديث.