العلق · الآية 11

﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ

الفَرَضيَّةُ المَفتوحَة: مَن المَقصود

و«إن» شَرطِيَّة، والشَّرطُ يَستَلزِمُ فاعِلاً، وهو هُنا غَيرُ مُسَمّىً، اكتَفى الكِتابُ فيه بِالضَّميرِ المُستَتِرِ في «كان»، وهذا الضَّميرُ يَحتَمِلُ المَنهِيَّ والنّاهِيَ مَعاً. وفي الوَجهَينِ بَلاغَة، إذ لا يُريدُ الكِتابُ أَن يَخسَرَ أَيَّ زاوِيَةٍ مِن زَوايا التَّعجيب.

فإن كانَ المَنهِيُّ على الهُدى فالنّاهي يَنهى عَن الهُدى، وهذا أَخَسُّ الذُّنوب، أي مَنعُ ما يَنبَغي أَن يُمَدّ. وإن كانَ النّاهي على الهُدى فَرضاً، فالهُدى لا يَأمُرُ بِالنَّهيِ عَن الصَّلاة، والفَرَضِيَّةُ إذَن مُنتَفِيَة. والنّاهي مَكشوفٌ مِن النّاحِيَتَينِ كِلتَيهِما.

«الهُدى»: الطَّريقُ الذي يَقودُ، لا الذي يَحبِس

وأَصلُ ه-د-ي الإرشادُ والتَّقديم، والهُدى في القُرآنِ يَجري في وادٍ مَحدودٍ يُؤمَنُ فيه مِن الانحِراف. والعَبدُ المُصَلّي في الفَرَضِيَّةِ الأُولى هو المُهتَدي، والنّاهي يُريدُ أَن يَنزِعَه مِن وادِيه، وهذا في الميزانِ انتِزاعٌ لِلمُهتَدي مِن هُداه.

وفي «على الهُدى» تَعبيرٌ مُعَيَّن، فـ«على» هُنا لِلاستِعلاء، والمَعنى أَنَّه قائِمٌ على الهُدى كَأَنَّ الهُدى أَرضٌ يَقِفُ عَلَيها، والنّاهي يُحاوِلُ أَن يُزَحزِحَه عَن تِلكَ الأَرض. والآيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ ما يَقِفُ عَلَيه المُصَلّي هو ما يَطلُبُ النّاهي أَن يَترُكَه.

صَلَةٌ بِالفاتِحَة: «اِهدِنا الصِّراطَ المُستَقيم»

والفاتِحَةُ تَطلُبُ الهُدى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فالقارِئُ يَطلُبُ في كُلِّ صَلاةٍ أَن يُمَدَّ على الهُدى، والسّورَةُ هُنا تَكشِفُ أَنَّ هُناكَ مَن يَعتَرِضُ هذا الطَّلَب، ولا يُريدُه أَن يَكونَ عَلَيه، فما يَطلُبُه القارِئُ في فاتِحَتِه يُحاوِلُ النّاهي أَن يَنزِعَه مِنه.

والاستِفهامُ في هذه الآيَةِ يَستَدعي المُخاطَبَ والقارِئَ مَعاً لِيُحضِرَ هذا التَّقابُل، فما يَطلُبُه في الفاتِحَةِ يُعارَضُ فيه في العَلَق، والوَعيُ بِهذا التَّقابُلِ أَوَّلُ خُطوَةٍ في النَّجاةِ مِن النّاهي.


حَصيلة

تَعودُ «أَرَأَيت» لِلمَرَّةِ الثّانِيَة، وتَفتَحُ بابَ الفَرَضِيَّة. وفي «إن كانَ على الهُدى» ضَميرُ «كان» مُبهَمٌ قَصداً، يَحتَمِلُ أَن يَعودَ على المَنهِيِّ (العَبدِ الذي يُصَلّي)، ويَحتَمِلُ أَن يَعودَ على النّاهي، والوَجهانِ مَعاً يَفضَحانِ النّاهي: فإن عادَ على المَنهِيِّ كانَ النّاهي مُعارِضاً لِلهُدى نَفسِه، وإن عادَ على النّاهي فالفَرَضِيَّةُ مُنتَفِيَة، لأَنَّ مَن كانَ على هُدىً (ه-د-ي) لا يَنهى عَبداً عَن صَلاتِه. و«الهُدى» مَصدَرٌ جاءَ على فُعلى، ومَدلولُه الإرشادُ المُستَمِرّ، والفاتِحَةُ تَطلُبُه في كُلِّ صَلاة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسّورَةُ هُنا تَكشِفُ أَنَّ ثَمَّةَ مَن يَعتَرِضُ هذا الطَّلَب.