العلق · الآية 12

﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ

«أَمَر»: الحَركَةُ من الذاتِ إلى الغَير

والجِذرُ أ-م-ر دالٌّ على الإلزامِ بِفِعلٍ مِن جِهَةِ الآمِر، والأَمرُ في القُرآنِ صِفَةُ مَن يَملِكُ الإلزام، والذي يَأمُرُ بِالتَّقوى يُمارِسُ هذا الإلزامَ نَحوَ غَيرِه. فمَوضوعُ الكَلامِ هُنا دَلالٌ خارِجِيّ، ولَيسَ مَوقِفاً شَخصِيّاً، والمَنهِيُّ في الفَرَضِيَّةِ الثّانِيَةِ مَن يَدُلُّ غَيرَه على التَّقوى، زِيادَةً على أَنَّه يَتَّقي.

والتَّقابُلُ بَينَ «يَنهى» في الآيَةِ التّاسِعَةِ و«أَمَرَ» في الآيَةِ الثّانِيَةَ عَشرَةَ لافِت، فالنّاهي يَنهى عَن الخَير، والمَنهِيُّ يَأمُرُ بِالخَيرِ على الفَرض، والتَّضادُّ بَينَهُما مَكشوف: أَحَدُهُما يَكُفُّ يَدَ الخَير، والآخَرُ يَمُدُّها.

«التَّقوى»: الحَواجِزُ التي يَنبَني الإيمانُ بِها

والتَّقوى مِن و-ق-ي، وهي حِمايَةٌ مَبنِيَّة، كَما يُتَّقى الصَّخرُ بِالخوذَة، ويُتَّقى البَرَدُ بِالثَّوب. والتَّقوى عِندَ الكِتابِ اتِّقاءُ ما يَكسِرُ القَلبَ بِالوَعيِ والعَمَل، وهي بِناءُ حَواجِزَ تَحفَظ، ولَيسَت خَوفاً مُجَرَّداً يَشُلّ، والمُتَّقي في القُرآنِ هو الذي يَنبَني في داخِلِه ما يَحميه مِمّا يَكسِرُه.

وتُذكَرُ التَّقوى في البَقَرَةِ مُنذُ الآيَةِ الثّانِيَة: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، فالهُدى يُعطى لِلمُتَّقي. والآيَةُ هُنا تَجمَعُ الوَجهَينِ في فَرَضِيَّةٍ واحِدَة: إن كانَ على الهُدى أَو أَمَرَ بِالتَّقوى، فمَن كانَ على الهُدى يَأمُرُ غَيرَه بِالتَّقوى، ومَن أَمَرَ غَيرَه بِالتَّقوى يَستَحِقُّ أَن يَكونَ على الهُدى، والفَرَضِيَّتانِ تَتَكامَلانِ كالجَناحَين.

المَفعولُ المَطويّ في «أَمَر»: مَن المَأمور

وتُرِكَ مَفعولُ «أَمَرَ» مَطوِيّاً، كَما تُرِكَ مَفعولُ «استَغنى» في الآيَةِ السّابِعَة، فلَم يُذكَرِ المَأمور. وهذا الإبهامُ بَلاغَةٌ يَدخُلُ بِها تَحتَه كُلُّ مَن قَد يَتَلَقّى الأَمرَ مِن فَمِ الآمِر: أَهلُه وأَصحابُه وتابِعوه، وكُلُّ مَن سَمِعَ مِنه التَّقوى، والنّاهي بِنَهيِه يَقطَعُ هذه الدّائِرَةَ كُلَّها.

والكِتابُ يَطوي ما يَكونُ مَعروفاً في السِّياق، ومَن يَأمُرُ غَيرَه بِالتَّقوى يَفتَحُ صِراطاً يَدخُلُه مَن شاء، ولا يَقِفُ أَمرُه عِندَ شَخصٍ بِعَينِه. والنّاهي يَقصِدُ إغلاقَ هذا الصِّراط، ولِذَلكَ كانَ نَهيُه أَخطَرَ مِن مَنعِ شَخصٍ مِن فِعل، لأَنَّه سَدٌّ لِبابٍ كانَ مَفتوحاً لِلجَميع.


حَصيلة

تُضيفُ «أَو» احتِمالاً ثانِياً إلى الفَرَضِيَّةِ السّابِقَة، فالأُولى أَنَّ المَنهِيَّ كانَ على الهُدى، وهذه «أَو أَمَرَ بِالتَّقوى»، والمَعنى: ماذا لَو كانَ الذي يَنهاه يُعَلِّمُ غَيرَه طَريقَ النَّجاة؟ و«أَمَرَ» (أ-م-ر) حَرَكَةٌ مِن الذّاتِ إلى الغَير، فهو يَأمُرُ غَيرَه بِالاتِّقاء، ولا يَكتَفي بِأَن يَتَّقِيَ لِنَفسِه. و«التَّقوى» (و-ق-ي) حِمايَةٌ مَبنِيَّةٌ بِالوَعيِ والعَمَل، ووِقايَةٌ مَقصودَة، ولَيسَت خَوفاً شالّاً. والمَفعولُ مَطوِيّ، يَدخُلُ تَحتَه كُلُّ مَن قَد يَتَلَقّى هذا الأَمر، والنّاهي بِنَهيِه يَقطَعُ ما بَينَ دائِرَةٍ كامِلَةٍ مِن المُتَعَلِّمينَ والهُدى، كَما يَقطَعُ ما بَينَ المَنهِيِّ وصَلاتِه. والكَشفُ مِن زاوِيَتَيِ الآيَتَينِ 11-12 مُتَكامِل، والنّاهي يَسُدُّ باباً كانَ مَفتوحاً لِلجَميع.