العاديات · الآية 8

﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ

«وَإنَّه»: الجُملَةُ الثَّالِثَةُ في سِلسِلَةِ التَّوكيد

الآياتُ السِّتُّ، السابِعَةُ، الثَّامِنَةُ تَأتي بِنَفسِ التَّركيب: «إنَّه + لـ + خَبَر». ثَلاثُ جُمَلٍ مُتَوازِيَة، كُلُّها مُؤَكَّدَة. وَهذا التَّوازي البَلاغيُّ يَجمَعُها في سِلكٍ واحِد. هو كَنود. وَهو شاهِدٌ على ذَلكَ. وَهو شَديدُ الحُبِّ لِلخَير. ثَلاثَتُها مُتَّصِلَةٌ بَعضُها بِبَعض. الكُنودُ سَبَبُه شِدَّةُ حُبِّ الخَير، والشَّهادَةُ على الذَّاتِ تُؤَكِّدُ أَنَّ الإنسانَ يَعرِفُ هذا التَّناقُض.

وَلِأَنَّ الجُملَتَين السابِقَتَين كانَتا فَضيحَة، وَالجُملَةَ الثَّالِثَةَ مُتمَّةٌ لَها، يَتَدَرَّجُ القارِئ. الكُنود فَضيحَةٌ في العَلاقَةِ مَعَ الرَّبّ. الشَّهادَةُ على الذَّاتِ فَضيحَةٌ في إنكار. شِدَّةُ حُبِّ الخَيرِ فَضيحَةٌ في توجُّهِ القَلب. ثَلاثُ زَوايا لِنَفسِ الفَضيحَة.

«لِحُبِّ الخَير»: التَّقديمُ الذي يَفضَحُ الترتيب

تَقديمُ المَفعولِ «لِحُبِّ الخَير» على الخَبَرِ «لَشَديد» في النَّحوِ يُفيدُ التَّخصيص. لَو قِيلَ «إنَّه لَشَديدٌ في حُبِّ الخَير» لَكانَ المَعنى مَوزوناً. لَكِن «لِحُبِّ الخَير لَشَديد» يُلقي الضَّوءَ على ما هو شَديدٌ مِن أَجلِه: المال. التَّقديمُ يَفضَحُ ما يُعَلَّقُ بِه القَلبُ شِدَّةً. لَيسَ شَديداً في حُبِّ رَبِّه، وَلا شَديداً في حُبِّ الخَيرِ المَعنويّ، وَلا شَديداً في حُبِّ القَريب. هو شَديدٌ في حُبِّ المال.

وَ«الخَير» في عُرفِ القُرآنِ يُطلَقُ عَلى المالِ في غَيرِ مَوضِع. كَقَولِه في الوَصِيَّة إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾: المَتروكُ بَعدَ المَوتِ مالٌ، سَمَّاهُ الكتابُ «خَيراً». وَالعَرَبُ كَذَلكَ، تُسَمّي المالَ خَيراً، لِأَنَّ النَّفسَ تَستَلِذُّه. وَالسورَةُ تَستَخدِمُ هذه التَّسميَةَ نَفسَها، بِغَيرِ تَهَكُّمٍ، لِتَكشِفَ مَوضِعَ الخَلَل: الإنسانُ يَعرِفُ أَنَّ المالَ «خَير»، وَلا يَعرِفُ أَنَّ مَن وَهَبَهُ خَيرٌ مِنه.

«لَشَديد»: الشِّدَّةُ التي تُلازِمُ التَّعَلُّق

الجذرُ (ش د د) يَدورُ على القُوَّةِ المُتَلاحِمَة. مِنه «الشَّدُّ» = الرَّبطُ المُحكَم، وَ«الشِّدَّة» = القُوَّةُ التي لا تَفلِت، وَ«الشَّديد» = القَويُّ الذي يَتَلاحَمُ مَعَ ما يُمسِكُه. وَ«شَديد» في حُبِّ الخَيرِ ليسَ مُجَرَّدَ مُحِبٍّ كَثيراً؛ هو مَن يَلتَحِمُ بِالحُبِّ التِحاماً، يَنتَزِعُ المالَ ولا يَتَفلَّتُ مِنه. القَلبُ يَنشَدُّ كَأَنَّه عَقدٌ، وَلا يَنفَكّ.

وَهذا الشَّدُّ هو نَفسُه نَقيضُ ما تُريدُه السورَة. الحُبُّ الذي يَلتَحِمُ بِالمالِ هو الحُبُّ الذي لا يَلتَحِمُ بِغَيرِه. ضَيِّقُ القَلبِ، لا يَتَّسِعُ لِاثنَين. وَالكتابُ في البَقَرَةِ يَشيرُ إلى نَموذَجٍ مَعكوس: وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾. الخَيرُ المَوصوفُ بِالبِرِّ هو مَن يُعطي المالَ وَهو يُحِبُّه. لَم يَنفِ القُرآنُ الحُبَّ، لَكِنَّه نَفى التَّقَدُّمَ. الحُبُّ مَوجود، لَكِنَّ العَطاءَ سَبَقَ. وَالكَنودُ في سورَتِنا هو العَكس: الحُبُّ سَبَقَ، فَامتَنَعَ العَطاء.

وَفي الموضِعِ الواحِدِ يَجتَمِعُ كَنودُ الإنسانِ وَشِدَّتُه في حُبِّ المال: هما صورَتانِ لِشَيءٍ واحِد. القَلبُ مَأخوذٌ بِالخَير، فَيَكنُدُ في حَقِّ مَن وَهَبَه. لَو فَكَّ الشَّدَّ، لَفَكَّ الكُنود. لَو فَكَّ الكُنود، لَأَعطى ما يُحِبّ. هذه أَقفالٌ مُتَّصِلَة، تُفتَحُ بِفَكِّ واحِدٍ مِنها.


حَصيلة

الآيةُ الثامِنَةُ هي ثالِثَةُ جُمَلٍ مُتَوازِيَة تَبدَأُ كُلُّها بِ«وَإنَّه + اللام». الأُولى: كَنود. الثانيَة: شَهيدٌ على ذَلكَ. الثالثَة: شَديدٌ في حُبِّ الخَير. ثَلاثُ صِفاتٍ مُتَّصِلَة تُعطي صورَةً كامِلَة: ما يَنقُصُه، ما يَعرِفُه عَن نَقصِه، وَما يَملَأُ بِه القَلبَ بَدَلاً مِن الشُّكر. وَتَقديمُ «لِحُبِّ الخَير» على «لَشَديد» يُضيءُ على الاتِّجاه: لَيسَت الشِّدَّةُ صِفَةً عامَّة، بَل شِدَّةٌ مَصبوبَةٌ في اتِّجاهٍ واحِد.

جِذرُ (خ-ي-ر) يُشيرُ إلى ما يَظهَرُ نَفعُه ويَجري. وَفي عُرفِ القُرآنِ يُطلَقُ «الخَير» على المالِ في غَيرِ مَوضِع: إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾. السورَةُ تَستَخدِمُ اللَّفظَ الذي تُسَمّيه النَّفسُ بِنَفسِها، وَلا تَتَهَكَّم. وَجِذرُ (ش-د-د) يَدورُ على الشَّدِّ المُحكَم، الرَّبطِ الذي لا يَنفَكّ. الإنسانُ الشَّديدُ في حُبِّ الخَيرِ قَلبُه مَنوطٌ بِالمالِ نَوطاً يَأبى الفِكاك. لا يَملِكُ هذا القَلبُ أَن يَنشَدَّ لِشَيئَينِ في آنٍ واحِد.

وَالصِّلَةُ بِما قَبلَها واضِحَة: لِمَ هو كَنود؟ لِأَنَّ قَلبَه مَعقودٌ على المال. وَلِمَ هو شاهِدٌ على كُنودِه؟ لِأَنَّه يَعرِفُ هذا التَّناقُض. وَالبَقَرَةُ تُعطي النَّموذَجَ المَعكوس: وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾، مَن يُعطي وَهو يُحِبّ. الحُبُّ لَم يَنتَفِ، لَكِنَّه لَم يُعِق العَطاء. وَالكَنودُ في سورَتِنا عَكسُ ذَلكَ: الشَّدُّ مَنَعَ العَطاء، فَصارَ الكُنودُ طَبيعَةً لا اختِياراً. فَكُّ هذا الشَّدِّ هو البابُ الذي تَفتَحُه الآياتُ التالِيَة.