البقرة · الآية 165

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ: «مِن» التبعيضيّة، الاسم الموصول المبهم، و«يتّخذ» افتعالٌ متعمَّد

عُدل في الآية عن «الناسُ يَتّخذون» و«كثيرٌ من الناس» إلى «مِنَ الناس مَن»، و«مِن» هنا للتبعيض، أي فئةٌ من الناس لا كُلّهم، والاسمُ الموصول «مَن» جاء مُبهَماً بغير تعيين. وهذا الإبهامُ مقصود، والآيةُ به تَضَعُ وصفاً وظيفيّاً ينطبقُ على كُلّ من يَقَعُ فيه، من أيّ ملّةٍ كان، ولا تُخاطِبُ جَماعةً مُسَمّاةً دونَ أُخرى. وأمّا «يَتّخذ» فمن بابِ افتعال (ا خ ذ)، وهو اتّخاذٌ مُتَعَمَّدٌ بفاعليّةٍ ذاتيّة، غيرُ أخذٍ عَرَضيٍّ ولا تَلَقٍّ طبيعيّ. فالصيغةُ تَنفي العُذرَ بالعَفويّة، والمَخاطَبُ هو مَن جَعَلَ النِّدَّ ندّاً بفعله، لا مَن سَبَّبَته له التربيةُ أو الوراثة. والمضارعُ «يتّخذ» للاستمرار، أي إصرارٌ متجدّد، وليس حالةً وقعت ومَضَت.

مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا: «دون» ظرفُ موقعٍ لا ظرفُ مقابلة، وجذر (ن د د)

و«مِن دون الله» تركيبٌ دقيق، يُقرأُ مرّةً «مع الله» ومرّةً «بديلاً عنه»، وليس كلاهُما دقيقاً. فـ«دون» في العربيّة ظرفٌ لموقعٍ أدنى مكانةً، لا لمقابَلةٍ بالمساواة، ومن اتَّخَذَ النِّدَّ «مِن دون الله» وَضَعَه ظاهراً في موقعٍ دونَه، ولم يَضَعْه في موقعِ الله، غيرَ أنّه في قلبه يُعامِلُه كأنَّه الله. والمُفارَقةُ هنا أنّ الشِّركَ يُعطي المساواةَ في العاطفة، ولا يَدَّعيها في اللسان. ثمّ جاءت الأنداد جَمعَ «ندّ» من جذر (ن د د) المُكَرَّرِ الدالّ على المقابلة الثابتة، والنِّدُّ ما يَقِفُ قُبالةَ الأصلِ بثَباتٍ مُتَأَهِّب، وليس قرينةً لحظيّة. وتنكيرُ «أنداداً» بالجمع يُعَمِّمُ الأصناف، والأندادُ أوثانٌ وبشرٌ وأهواءٌ ومالٌ وسلطةٌ ومَحبوباتٌ شخصيّة، وكُلُّ ما يَشغَلُ موقعَ القبالةِ الثابتة في القلب.

يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ: الكافُ تشبيهٌ في الشدّة لا في الذات، وجذر (ح ب ب)

والكافُ في «كحبّ الله» تشبيهيّة، وموضعُ التشبيه مهمّ، فهو مماثلةٌ في كيفيّةِ الحبّ وشدّته، وليس مماثلةً في الذاتِ المحبوبة (فلا أحدَ يَدَّعي أنَّ الندَّ يَستَوي مع الله ذاتاً)، والمعنى أنّهم يحبّونهم بالطاقةِ القلبيّة نفسِها التي يَنبَغي أن تُصرَفَ لله وحدَه. وجذر (ح ب ب) بتكرار الباء يُفيدُ الصفاءَ الذي يَظهَرُ ويَفيض، والحبُّ ميلٌ خالصٌ يَنبَثِقُ ولا يَقِرُّ في الباطن. فإذا انبَثَقَ هذا الميلُ في اتّجاهَين، اتجاهِ الله واتجاهِ النِّدّ، فالقلبُ قد تَنازعَه قطبان وإن لم يَشعُر صاحبُه. ومعيارُ الشِّركِ في هذه الآية شعوريٌّ غيرُ عقديّ، ومدارُه على أن يَقَعَ حُبُّ المرءِ لشيءٍ بطاقةِ حُبِّه لله نفسِها، فذاك هو النِّدّ وإن لم يُسَمِّه.

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ: اسمُ تفضيلٍ من (ش د د)، والحبُّ المُكَثَّفُ الموحَّد

وجاءت الجملةُ جواباً مُوازِناً لا استطراداً: المشركون يُحبّون الأندادَ كحبّ الله، والمؤمنون «أشدُّ حُبّاً لله». و«أشدّ» اسمُ تفضيلٍ من جذر (ش د د)، ومعناه التكاثفُ والإحكام، ولا يقفُ عند الزيادةِ الكمّيّة. فالمؤمنُ يُحبُّ اللهَ بحبٍّ مُكثَّفٍ مُحكَمٍ هو طاقةٌ لم تَتَفَرَّق، زيادةً على أنّه يُحبُّه أكثر. و«حُبّاً» جاءَت تمييزاً منصوباً يَرفَعُ الإبهامَ ويُحَدِّدُ جهةَ التفضيل. والنُّكتةُ أنَّ التفاضُلَ في وحدةِ الاتّجاه، وليس في الذاتِ المحبوبة: المشركُ قسَّمَ حُبَّه بين أقطاب، والمؤمنُ جَمَعَ حُبَّه في قطبٍ واحد، فصار حُبُّه أشدَّ تكاثفاً بانعدامِ التشتّتِ لا بزيادةٍ كمّيّة، ومن وَحَّدَ وُجهَتَه صار حُبُّه أشدّ بالضرورة.

وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ: «لو» الامتناعيّة مع المضارع، و«إذ» الظرفيّة للمستقبل المحقَّق

وتراكيبُ هذا الجُزء تَكشِفُ لحظةً مُستقبليّةً بلسانِ الحاضر. فـ«لو» شرطيّةٌ امتناعيّة، أي شرطٌ امتنعَ جوابُه في الحاضر، وحُذِفَ جوابُها هنا للتهويل، وتقديرُه: «لو يَرى الذين ظلموا... لرأوا أمراً عظيماً لا يَسَعُه التعبير». ومَجيءُ المضارعِ «يَرى» بعد «لو» بدَل الماضي «رأى» للاستحضار، والمشهدُ به يُصَوَّرُ حاضراً بين يدَي السامع لا بعيداً عنه. ثمّ «إذْ»، وهي ظرفٌ للزمن الماضي في أصلِ وَضعِها، غيرَ أنّ القرآنَ يستعملُها هنا للمستقبل المحقَّق الوقوع، وكأنَّ العذابَ قد وَقَعَ وتَحَقَّقَ فيُحكى بلسانِ الماضي، وهذا الاختيارُ اللغويّ يُؤكِّدُ أنَّ اللحظةَ آتِيَةٌ يقيناً. ومفعولُ «يرى» الأوّل محذوفٌ للتهويل نفسِه، فلا يُوصَفُ ما رأى. ومَفعولُ «يَرَون» الحاضر «العذاب»، والعذابُ من جذر (ع ذ ب)، وأصلُه الرجوعُ إلى المرارةِ بعد الحَلاوة الكاذبة، وعذابُ النِّدِّ كَشفُ خِداعِه.

أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا: لامُ الاختصاص، «جميعاً» حالُ الاستغراق، وختمٌ بـشَدِيدُ الْعَذَابِ

والجملةُ «أنَّ القوّة لله جميعاً» تَرِدُ هنا بصيغةِ إدراكٍ متأخّر، وهي مفعولٌ لـ«يَرى» الأولى، أي أنَّ الذي يُدرِكُه الظالمون يوم العذاب هو هذه الحقيقة: «القوّةُ لله جميعاً». واللامُ في «لله» للاختصاص، و«جميعاً» حالٌ مؤكِّدةٌ لاستغراق الاختصاص، أي لا قوّةَ في مكانٍ ما، في كائنٍ ما، في عَرَضٍ ما، إلّا وهي لله. ومعنى هذا الإدراكِ المتأخّر أنَّ الأندادَ التي أحَبّوها لم تَكُن تَملِكُ قوّةً ذاتيّة، وأنّ كُلَّ ما في الوجودِ قوّةُ الله استُعيرَت مؤقّتاً ثمَّ رُدَّت. والخِتامُ «وأنَّ اللهَ شديدُ العذاب» يُكرِّرُ جذر (ش د د) نفسَه الذي وَصَفَ به حُبَّ المؤمنين: المؤمنُ أشدُّ حُبّاً، واللهُ شديدُ العذاب، فالجذرُ الواحدُ يَحمِلُ الوجهَين: شدّةٌ في الحبّ تَجمَع، وشدّةٌ في العذابِ تَكشِف. و«شَدِيد» على وزن فَعيل يُفيدُ ثباتَ الصفةِ لا حدثيَّتها، والشدّةُ في عذابِ الله لازمةٌ لمقامِ الحقّ الذي خُولِف، وليست عَرَضاً.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«النِّدّ» موقعٌ قلبيٌّ يَحتَلُّه كلُّ ما يُحَبُّ بشدّةِ حُبِّ الله نفسِها، وليس اسماً لصَنم، و«الشِّرك» توزيعٌ لطاقةِ المحبّةِ على قُطبَين، وليس تصريحاً لفظيّاً، و«القُوّة» استعارةٌ مؤقَّتةٌ تُكشَفُ يومَ العذاب، وليست مُلكاً للأشياء. فمن وَحَّدَ حُبَّه تَحَرَّرَ من كلِّ نِدّ، ومن فرَّقَ حُبَّه بَدَت له آلهتُه فارغةً حين تَطلُبُ منها نصراً لا تَملِكُه.


حَصيلة

تَكشِفُ الآيةُ آلِيَّةَ الشِّركِ العَمَليِّ تَعَلُّقاً قَلبِيّاً غَيرَ شِعارٍ فَلسَفِيّ: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. والنِّدُّ (ن-د-د) مَوقِعٌ قَلبيٌّ يَقِفُ فيه المُحبوبُ قُبالَةَ المَصدَرِ بثَباتٍ مُتَأهِّب، وليس قَرينَةً لَحظِيَّة، وكافُ «كَحُبِّ الله» تُشَبِّهُ شِدَّةَ الحُبِّ لا ذاتَ المَحبوب، فما يَنبَثِقُ من القَلبِ بنَفسِ الطّاقَةِ القَلبِيَّةِ يَصيرُ نِدَّاً ولو لَم يُسَمَّ كذلك. والتَّفاضُلُ مَعيارُه وَحدَةُ الاتِّجاهِ لا كَمُّ الحُبّ: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾، إذ المُؤمِنُ جَمَعَ حُبَّه في قُطبٍ واحِدٍ فصارَ أكثَرَ تَكاثُفاً بِانعِدامِ التَّشَتُّت. ثمَّ يَأتي المَشهَدُ الختاميّ: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وجوابُ «لو» مَحذوفٌ للتَّهويل، والقُوَّةُ التي ظَنَّها الظَّالِمون لأندادِهِم كانَت استِعارَةً مُؤَقَّتَةً تُكشَفُ في لَحظَةِ العَذاب. وجذرُ (ش-د-د) يَجمَعُ وَجهَيها: شِدَّةٌ في الحُبِّ تَجمَع، وشِدَّةٌ في العَذابِ تَكشِف.