الإسراء · الآية 5

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا

«فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا»: مَوعِدٌ يَجيءُ كما يَجيءُ الآتي

الوَعدُ في الآيةِ لا يُنتَظَرُ ولا يُتَرَقَّب، فهو يَجيء، وقد جُعِلَ لَه فِعلُ المَجيءِ كأنَّه ماشٍ في طَريقِه إلى المُخاطَب. و«إذا» أداةُ تَحَقُّقٍ لا شَكَّ فيه، فالخِلافُ في المَتى لا في الوُقوع.

و«أُولَاهُمَا» تُمسِكُ بِالعَدَدِ المَذكورِ قَبلَها، فقد جاءَ هُناكَ «مَرَّتَيْنِ»، فصارَ لِلمَرَّتَينِ أُولى وآخِرة، وسَتَجيءُ «الْآخِرَةِ» بَعدَ آيَتَين. والبِناءُ العَدَدِيُّ يَقرَأُ نَفسَه بِنَفسِه، ولا يَحتاجُ إلى مَن يُؤَرِّخُه لِيَستَقيم.

«بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ»: من «إلى» إلى «على»

وفي الآيةِ السّابِقةِ «قَضَينا إلى»، وهُنا «بَعَثنا عَلى»، وبِتَغَيُّرِ الحَرفِ يَتَغَيَّرُ المَشهَدُ كُلُّه، فما كانَ يَبلُغُ الأسماعَ صارَ يَنزِلُ فَوقَ الرُّؤوس، والإنذارُ يَصِلُ إلى المُنذَر، فإذا لم يُلتَفَتْ إلَيهِ حَلَّ عَلَيه.

والبَعثُ من ب-ع-ث، وأصلُه إثارةُ الكامِنِ ونَشرُه، فالمَبعوثُ لم يُصنَعْ لِهذا اليَومِ صُنعاً، وقد كانَ ساكِناً فأُثيرَ وانتَشَر. ولذلك أوثِرَ «بَعَثنا» على «خَلَقنا» وعلى «جِئنا بِـ»، وما يَنزِلُ بِالنّاسِ كانَ في الأرضِ قَبلَ أن يَنزِل.

«عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ»: وَصفانِ فقَط، ولا اسم

وهُنا تُعطي الآيةُ عن هؤُلاءِ شَيئَينِ لا ثالِثَ لَهُما: نِسبَتَهُم، وشِدَّةَ بَأسِهِم. فـ«عِبَادًا» نَكِرة، واللّامُ في «لَّنَا» لِلاختِصاص، و«أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ» وَصفُ قُوّةٍ لا وَصفُ قَوم، ولا اسمَ لَهُم ولا مِلّةَ ولا قَرن. ومَن سَمّاهُم زادَ على الآيةِ ما لَيسَ فيها، والزِّيادةُ على المَتلُوِّ لَيسَت قِراءةً لَه.

والكَلِمةُ «عِبَاد»، وهذه ثالِثةُ مَرّاتِ الجِذرِ في خَمسِ آيات: بِعَبْدِهِ﴾ في الأُولى، و«عَبْدًا شَكُورًا» في الثّالِثة، و«عِبَادًا لَّنَا» هُنا، فالكَلِمةُ التي وُصِفَ بِها أعلى مَقامٍ في السّورةِ هي الكَلِمةُ التي يُوصَفُ بِها المَبعوثونَ بِالبَأس. والجِذرُ يُسَمّي عَلاقةً ولا يُرَتِّبُ أصحابَه، ومَن كانَ لِلهِ فهو لَه في كِلا المَوضِعَين.

و«بَأْسٍ» شِدّةٌ مَضغوطةٌ تَنفُذُ فتُؤذي، و«شَديد» ما شُدَّ رِباطُه فلا يَستَرخي. وقد وُصِفوا بِما يَفعَلونَ لا بِمَن هُم، فبَقِيَ الوَصفُ صالِحاً لِكُلِّ مَن نَزَلَ هذا المَنزِل، والآيةُ تَصِفُ قُوّةً، وتَتَعَمَّدُ ألّا تَصِفَ قَوماً.

«فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ»: تَرَدُّدٌ في الفُرَج

وأخبَرَتِ الآيةُ بِأنَّهُم «جاسُوا خِلالَها»، ولم تُخبِرْ بِأنَّهُم هَدَموا الدِّيار. والجَوسُ من ج-و-س، وهو نَفاذٌ يَتَخَلَّلُ أثناءَ المَكانِ ويَكشِفُ ما بَينَها، أي ذَهابٌ وإيابٌ لا يَستَقِرّ، و«خِلال» فُرَجُ ما بَينَ الشَّيئَين، أي ما لا يُرى من الخارِجِ ولا يُطرَقُ في العادة.

والدّارُ من د-و-ر، وهي حَيِّزٌ ثابِتٌ تَجري فيه حَياةُ أهلِه وإلَيه يَرجِعون، وحُرمَتُها في أنَّ لَها داخِلاً، فإذا جيسَ خِلالُها لم يَبقَ فيها داخِل. والمُخبَرُ بِه أنَّ ما بَينَ الجُدرانِ صارَ مَمَرّاً، ولم يُخبَرْ بِأنَّ الجُدرانَ سَقَطَت، وهذا أوجَعُ وأدَقّ.

«وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا»: الوَعدُ يُغلَقُ على نَفسِه

وبَدَأَتِ الجُملةُ بِـ«وَعْدُ» وخُتِمَت بِـ«وَعْدًا». و«مَفعُولًا» اسمُ مَفعولٍ من فِعلٍ لم يُسَمَّ فاعِلُه في اللَّفظِ لِأنَّه مَعلوم، والمَعنى وَعدٌ عُمِلَ بِه، فالمَقولُ فيه أنَّه مُنَفَّذ، ولا يَقِفُ عِندَ أنَّه صادِق. والوَعدُ في الآيةِ يوصَفُ بِالوُقوع، ولا يوصَفُ بِالصِّدق.


حَصيلة

مَوعِدٌ يَجيءُ بِنَفسِه فلا يُنتَظَر، وقَد أُخِذَ رَقمُه من التَّثنِيةِ قَبلَه: «أُولَاهُمَا». ثُمَّ «بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ» بِـ«على» بَعدَ «إلى»، وبِفِعلِ إثارةٍ لِساكِنٍ كانَ مَوجوداً قَبلَ أن يُثار. والمَبعوثونَ «عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ»، نِسبةٌ وقُوّة، وهذا كُلُّ ما ذُكِرَ عَنهُم. ثُمَّ «جاسُوا خِلالَ الدِّيار»، والمَذكورُ فُرَجٌ تُطرَقُ حتّى لا يَبقى لِلدّارِ داخِل، ولم تُذكَرْ جُدُرٌ تَسقُط. ثُمَّ «وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا»، فيُغلَقُ الكَلامُ على الكَلِمةِ التي فَتَحَتْه. وقد سُمِّيَ لِهؤُلاءِ مالِكُهُم وشِدَّةُ بَأسِهِم، ولم يُسَمَّ لَهُم شَيءٌ سِوى ذلك، وسُكوتُ الآيةِ عن الاسمِ مَقروءٌ كما تُقرَأُ كَلِماتُها.