آل عمران · الآية 56

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ

«فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا»: الحُكمُ يَبدأُ بتَقسيمٍ على الفِعل

تَصِلُ الفاءُ هذه الآيةَ بالحُكمِ المَوعودِ في سابِقتِها، ثمّ تَفتَحُ «أمّا» القِسمَ الأوّلَ من الطَّرَفَين. ويُعرَّفُ هذا القِسمُ بفِعلٍ هو «كفروا»، وعُدِلَ به عن اسمِ نَسَبٍ أو جَماعةٍ خارجيّة. والكُفرُ من ك-ف-ر، وأصلُه كَتمٌ واحتِباسٌ يُمسِكُ ما فيه، ثمّ يُفَرِّقُه ويُبعِدُه عن الظُّهور، ويَجري الحَجبُ مُستَرسِلاً. وجاءَ الفِعلُ ماضياً، فيُقيمُ القِسمَ على ما وَقَعَ منهم، وبهذا تَبقى الكلمةُ مَربوطةً بمادّتِها في الآية: الذين فَعَلوا التَّغطيةَ هُم مَوضوعُ الجَوابِ الذي تَفتَحُه الفاءُ الثانية.

«فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا»: الفِعلُ يُثبَّتُ بمَصدَرِه ووَصفِه

وتَأتي فاءُ الجَوابِ قبلَ «أعذّبهم»، فتَصِلُ القِسمَ بنَتيجتِه. والعَذابُ من ع-ذ-ب، ومادّتُه ظُهورٌ من العُمقِ يَنفُذُ بحِدّة، ثمّ يَتَّصِلُ بالمَحلِّ ويَتمَسَّكُ به. وبِناءُ «أُعَذِّبُهم» على التَّفعيلِ يَجعَلُ الفِعلَ واقِعاً بمِقدارٍ يَتَجَدَّد، غيرَ ضَربةٍ واحِدةٍ تَنقَضي، ثمّ يأتي المَصدَرُ «عذاباً» فيُثبِّتُ الفِعلَ باسمِه ولا يَترُكُه مُبهَماً. و«شديداً» من ش-د-د حَصرٌ يَضمُّ القُوّةَ تحتَ ضَغطٍ ثابِت، ثمّ يُضاعِفُ الحَرفُ المُكَرَّرُ الإمساك. فالوَصفُ يَكشِفُ تَماسُكَ الشِّدّةِ في العَذابِ المذكور، ولا يُنشِئُ عذاباً آخَر.

«فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»: مَجالانِ يَحمِلانِ الحُكم

وتَحدُّ الآيةُ مجالَ العذابِ بذكرِ الدنيا والآخرةِ ووصلِهما بالواو، و«في» تُدخلُ الحكمَ في المجالين وتَجعلُ كلاً منهما حاضراً بتمامه. ويَبقى التفصيلُ مطويّاً داخلَ الاسمين، فتَتقدّمُ الحقيقةُ الجامعة: شدّةٌ تَشملُ المجالَ القريبَ والمجالَ الآخر.

«وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ»: نَفيُ المَددِ من أصلِه

وتَصِلُ الواوُ العذابَ بنفيِ النصرة. والنصرُ من ن-ص-ر انبعاثٌ يَخرجُ من الباطنِ فيُقيمُ ما يَحتاجُ إمساكاً صلباً، ثمّ يَجري الإسنادُ إلى مَن يَبلغه. و«ناصرين» تَعرضُ أصحابَ هذا الدورِ قائمينَ به، غيرَ أنّ «ما» تَنفي ملكَهم، و«من» تَستغرقُ الجنس، والجمعُ يُغلقُ كلَّ منفذٍ إلى نصير. فبعدَ شمولِ العذابِ للمجالينِ يأتي شمولٌ آخرُ يَستأصلُ جهةَ الإسناد.


حَصيلة

يَخرُجُ الحُكمُ من الاختِلافِ إلى قِسمٍ مُعرَّفٍ بفِعلِه: الذين غَطَّوا. وتَربِطُ فاءُ الجَوابِ التَّغطيةَ بعَذابٍ يُكثِّفُه التفعيل، ويُثبِّتُه المَصدَر، وتَحكُمُه صِفةُ الشِّدّة، ثمّ تَحمِلُه «في» إلى الدُّنيا والآخرةِ من غيرِ تَفصيلٍ مُستورَد. وتأتي الخاتِمةُ لتَنفيَ المَخرَجَ الذي قد يُتَوَهَّم، لا لتُضيفَ عذاباً: لا ناصرَ يَنبَعِثُ بالمَدد. فالبِنيةُ قِسمٌ ونَتيجةٌ ومَجالانِ ونَفيٌ شامِلٌ للنُّصرة.