الإسراء · الآية 34

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا

«وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ»: الفِعلُ يَعودُ، ويَتَغَيَّرُ ما بَعدَه

وهو الفِعلُ نَفسُه الذي مَرَّ قَريباً في وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، ولَفظٌ واحِدٌ يَحكُمُ مَوضِعَين، ولا يَفصِلُ بَينَ الحُكمَينِ إلّا ما جاءَ بَعدَه.

وقد جاءَ النَّهيُ هُناكَ عارِياً فأُغلِقَتِ الدّائِرةُ كُلُّها، ولَحِقَه هُنا استِثناء، فتُفتَحُ في الدّائِرةِ نَفسِها ثُغرة. فالصّيغةُ في ذاتِها غَيرُ قاطِعةٍ بِإغلاقٍ تامّ، وإنَّما تُقَرِّرُ أنَّ الحُكمَ يَقَعُ على الدُّنُوّ، ثُمَّ يُنظَرُ فيما بَعدَها: أَخُلِّيَ أم قُيِّد. والقُربُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه.

ثُمَّ المَفعول، وهو «مالَ اليَتيم» دونَ اليَتيم، ولم يَقَعْ في الآيةِ نَهيٌ عن الدُّنُوِّ من اليَتيمِ نَفسِه في شَيء، فالمَحجورُ مالُه. واليَتيمُ والمالُ مَفهومانِ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيهِما، والذي تُقَرِّرُه الآيةُ أنَّ المُضافَ هو المَحمِيُّ والمُضافَ إلَيه هو صاحِبُه.

«إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»: مَوصولٌ لا مَوصوفَ لَه

و«بِالَّتي» اسمٌ مَوصولٌ مُؤَنَّثٌ لم يُذكَرْ مَوصوفُه، فلم يَأتِ «بِالخَصلةِ» ولا «بِالطَّريقةِ» ولا «بِالفَعلةِ»، وحُذِفَ الاسمُ وبَقِيَ الوَصف، فلا يَستَطيعُ قارِئٌ أن يَحصُرَه في بابٍ بِعَينِه.

و«أحسَنُ» أفعَلُ تَفضيل، وليسَ «حَسَنة»، وبَينَهُما فَرقٌ يَحمِلُ الحُكم، فالحَسَنُ يَقِفُ عِندَ حَدٍّ يُبلَغُ فيُكتَفى، والأحسَنُ يَقتَضي مُقايَسةً في كُلِّ مَرّة. ولَم يُذكَرْ لَه مُفَضَّلٌ عَلَيه، فبَقِيَتِ المُقايَسةُ مَفتوحةً على ما يَعرِضُ من الوُجوه.

والاستِثناءُ بِالباءِ كما كانَ في الآيةِ قَبلَها، فهُما مَرَّتانِ مُتَتابِعَتانِ يُستَثنى فيهِما بِمُصاحِبٍ لا بِصورةٍ مَعدودة: هُناكَ حَقٌّ يُلابِسُ الفِعل، وهُنا وَجهٌ أحسَنُ يُلابِسُ الدُّنُوّ. ولا تُعطي الآيةُ في المَوضِعَينِ قائِمةً تُحفَظ، فالذي تُعطيه شَرطٌ يُلازِمُ اليَدَ في كُلِّ حَرَكة.

«حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ»: غايةٌ لِلمَنعِ وَحدَه

و«حَتّى» لِانتِهاءِ الغاية، والذي يَنتَهي عِندَ هذا الحَدِّ هو النَّهيُ عن الدُّنُوّ، لا الوَصفُ الذي استُثنِيَ بِه، فالمالُ يُسَلَّم، وأمّا «الَّتي هِيَ أحسَنُ» فلَم تُجعَلْ لَها غاية.

والضَّميرُ في «أشُدَّه» عائِدٌ على اليَتيم، فالميقاتُ مَأخوذٌ من بَدَنِ صاحِبِ المالِ لا من حاجةِ القائِمِ عَلَيه، ولا من عَدَدٍ لم تَذكُرْه الآية. و«أشُدّ» جاءَت على بِناءِ الجَمع، فالمَبلوغُ اجتِماعُ قُوىً لا عَلامةٌ واحِدةٌ تُرصَد.

و«يَبلُغَ» من ب-ل-غ، وهو امتِدادٌ يَنتَهي إلى ظُهورٍ بَعدَ غَور، فالبُلوغُ في الجَذرِ خُروجُ ما كانَ كامِناً إلى حَيثُ يُرى، وقد كانَ المالُ مَحجوزاً في انتِظارِ أن يَظهَرَ في صاحِبِه ما يَحمِلُه.

«وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ»: من نَهيٍ إلى أمر

وانتَقَلَ الأُسلوبُ من «لا تَقرَبوا» إلى «أوفوا»، ومن مالٍ يُحفَظُ إلى عَهدٍ يُؤَدّى. والباءُ تَأتي ثالِثةً في ثَلاثِ جُمَل: بِالحَقّ، بِالَّتي هِيَ أحسَن، بِالعَهد، فهي أداةٌ واحِدةٌ تُلازِمُ الأحكامَ في هذا المَوضِع.

والوَفاءُ والعَهدُ مَفهومانِ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيهِما، والذي تَزيدُه الآيةُ عَلَيهِما أنَّها عَرَّفَتِ العَهدَ بِـ«ال» ولم تُنَكِّرْه، ولم تُضِفْه إلى أحَد، دونَ «عَهدِكُم» و«عَهدِ اليَتيم»، فالمُرادُ الجِنسُ كُلُّه.

«إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا»: المَسؤولُ هو العَهدُ نَفسُه

وأُعيدَ الاسمُ صَريحاً دونَ «إنَّكُم عَنه مَسؤولون»، ثُمَّ جُعِلَ الوَصفُ لَه هو: «العَهدُ كانَ مَسؤولًا»، فالمُبتَدَأُ عَهدٌ والخَبَرُ اسمُ مَفعولٍ يَقَعُ عَلَيه. والعَهدُ في مَوقِفِ السُّؤالِ مَعَ صاحِبِه، ولا يَقِفُ السُّؤالُ عِندَ صاحِبِ العَهدِ وَحدَه.

و«كانَ» لِلثُّبوت، فالسُّؤالُ لازِمٌ لِلعَهدِ من حينِ يُعقَد، وليسَ شَيئاً يَبدَأُ يَومَ يُنقَض. و«مَسؤولًا» بِلا سائِلٍ مُسَمّى، على نَحوِ ما مَضى في هذا المَقطَعِ من لَومٍ بِلا لائِمٍ ونَصرٍ بِلا ناصِر.

والسُّؤالُ من س-أ-ل، وأصلُه طَلَبٌ يَنفُذُ إلى مَن وَقَعَ عَلَيه فيَتَعَلَّقُ بِه ويَلزَمُه، فالمَسؤولُ في الجَذرِ مَن عَلِقَ بِه الطَّلَبُ فلا يَنفَكُّ عَنه حتّى يُؤَدّي. وهو عَهدٌ يُعقَدُ فيَحمِلُ سُؤالَه مَعَه، كما حَمَلَ العُنُقُ في هذه السّورةِ ما أُلزِمَه.


حَصيلة

فِعلٌ واحِدٌ يَحكُمُ مَوضِعَين، ولا يَفصِلُ بَينَ الحُكمَينِ إلّا ما لَحِقَه: فهو هُناكَ عارٍ فأُغلِقَتِ الدّائِرة، وهُنا يَلحَقُه استِثناءٌ يَفتَحُ فيها باباً. والمَحجورُ مالٌ لا شَخص. والبابُ مَوصولٌ حُذِفَ مَوصوفُه، ووَصفُه أفعَلُ تَفضيلٍ بِلا مُفَضَّلٍ عَلَيه، فيَبقى مُقايَسةً تُستَأنَفُ في كُلِّ حَرَكة، ولا يَنقَلِبُ إلى قائِمةٍ تُحفَظ. والباءُ تَتَكَرَّرُ ثَلاثاً في ثَلاث. والغايةُ مَضروبةٌ لِلمَنعِ وَحدَه، مَأخوذةٌ من بَدَنِ صاحِبِ المالِ لا من غَيرِه، وجاءَت بِبِناءِ جَمع، فالمَبلوغُ اجتِماعُ قُوىً لا عَلامةٌ واحِدة. ثُمَّ أمرٌ يَخلُفُ النَّهي، وعَهدٌ مُعَرَّفٌ غَيرُ مُضاف، ثُمَّ خَتمٌ يُعيدُ اسمَه ولا يُكَنّي، ويَجعَلُ الوَصفَ لَه لا لِصاحِبِه، فالعَهدُ نَفسُه يُسأَل، ولا يُسأَلُ عَنه صاحِبُه وَحدَه.