آل عمران · الآية 156
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا»: النَّهيُ يَمنعُ مماثلةً فعليّة
يُحضِرُ النداءُ الذين آمنوا بصلةِ فعلِهم، ثمّ تَدخُلُ «لا» الناهيةُ على «تكونوا». الكَونُ من ك-و-ن كَتمٌ يَنعَقِدُ في احتواءٍ ثمّ يَنبعِثُ إلى تحقّقِ حال. الكافُ تَفتحُ المماثلةَ، ومَجرورُها الذين كفروا، وهم موصولونَ بفعلٍ ماضٍ من ك-ف-ر يَحمِلُ الحَجبَ الجاري. النهيُ لا يَمنعُ شبهاً في أصلٍ أو مظهرٍ غيرِ مذكور؛ يَمنعُ أن تَقومَ بالمخاطَبينَ الحالُ التي سيكشفُها قولُ الفئةِ التالية. لذلك يَبقى الحكمُ سلوكيّاً مربوطاً بالفعلِ والقول.
«وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى»: القولُ يَتعلّقُ بحالتين
تَعطِفُ الواوُ «قالوا» على «كفروا»، فتُعرِّفُ الفئةَ أيضاً بقولِها. اللامُ تَربِطُ القولَ بإخوانِهم؛ الأخوّةُ من أ-خ-و إطلاقٌ يَختَرِقُ ثمّ يَنعَقِدُ في صِلةٍ قريبة. «إذا ضربوا في الأرض» تَصفُ انتقالاً فيها من ض-ر-ب، ضمٌّ يَجري ويتَّصلُ بالمَحل. ثمّ تَحفظُ «أو» حالةً ثانية: كانوا غُزّى، من غ-ز-و، غَورٌ يَتضاغطُ ثمّ يُفضي إلى حركةٍ خارجة. فتَبقى الحالتانِ مفصولتَينِ بحَرفِ «أو»: ضَربٌ في الأرضِ يَمتدُّ فيها، وخروجٌ في غَزوٍ يَنبعِثُ من مَضيق، والقولُ الواحدُ يَلحقُهما جميعاً.
«لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا»: دَعوى القُربِ تَنفي مَوتاً وقَتلاً
يَنقلُ النصُّ قولَهم كما هو: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتلوا. «لو» تَفتحُ شرطاً ممتنعاً يَربطُ حضورَ الإخوانِ عندَ القائلينَ بنفيِ الموتِ والقتل. الموتُ من م-و-ت ضمٌّ يَنغلِقُ بقطعٍ وتمام، والقتلُ من ق-ت-ل عقدٌ يَدخُلُ قطعاً ويتعلّقُ بالمَقتول، وقد بُنيَ للمجهول. تَكرارُ «ما» يَستقلُّ بكلِّ نفي، و«أو» السابقةُ تَحفظُ حالتَي السفرِ والغزو. الآيةُ لا تُقِرُّ صدقَ السببيّة؛ تَعرضُها قولاً صادراً من الذين كفروا.
«لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ»: القَولُ يَعودُ حَسرَةً في القلوب
تَربِطُ اللّامُ المآلَ بما سبق: ليجعلَ الله ذلك حسرةً في قلوبِهم. اسمُ الإشارةِ يَلتقطُ القولَ وبنيتَه الشرطيّةَ، والفعلُ يَنسبُ الجعلَ إلى الله. الحسرةُ من ح-س-ر تضييقٌ باطنٌ يَدخُلُ مَجرىً دقيقاً ثمّ يَجري مسترسلاً، فيَحمِلُ ألماً على ما انكشفَ وفات. وهي مفعولٌ ثانٍ، أمّا الظرفُ «في قلوبهم» فيَضعُها داخلَ أصحابِ القولِ لا في إخوانِهم. فالمسمّى في الآيةِ حَسرةٌ مستقرّةٌ في القلوب: يَعودُ القولُ على قائلِه ألماً في موضعِ نُطقِه، لا في الجهةِ التي وُجِّهَ إليها.
«وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ... بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»: الخاتمةُ تَرُدُّ الحياةَ والموتَ والعملَ إلى الله
تَستأنفُ الواوُ جملتَينِ اسميّتَين. في الأولى يَتكرّرُ اسمُ الله فاعلاً للمضارعينِ «يحيي ويميت». الحياةُ من ح-ي-ي احتواءٌ باطنٌ يمتدُّ ويتجدّد، وصيغةُ الإفعالِ تُوصِلُها، والموتُ يَنتهي إلى القطعِ والتمام. هذه المقابلةُ تَردُّ على ربطِ الموتِ بمجرّدِ «عندنا». وفي الثانيةِ تَتعلّقُ الباءُ بـ«ما تعملون»، وخبرُ الله «بصير» من ب-ص-ر اتصالٌ يَدخُلُ إطباقاً صُلباً ثمّ يَجري نافذاً. صيغةُ المبالغةِ تَحمِلُ كثافةَ الإبصارِ واستمرارَه، فتَجمعُ أعمالَ المخاطَبينَ تحتَه.
حَصيلة
يَنهى النداءُ الذين آمنوا عن مماثلةِ الذين جمعوا بينَ الكفرِ وقولٍ مخصوصٍ لإخوانِهم. ربطوا الموتَ أو القتلَ بالخروجِ في الأرضِ أو الغزو، وزعموا أنّ البقاءَ عندَهم يَمنعُهما. لا يُقِرُّ النصُّ قولَهم؛ يَجعلُه حسرةً في قلوبِهم، ثمّ يَنسبُ الإحياءَ والإماتةَ إلى الله. وتَختمُ صفةُ «بصير» الأعمالَ كلَّها تحتَ إبصارٍ كثيفٍ مستمرّ. ويَبقى المَوصوفونَ في الآيةِ محمولينَ على أفعالِهم: كَفَروا، وقالوا، ورَبَطوا سلامةَ إخوانِهم بالبقاءِ عندَهم.