آل عمران · الآية 168

﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

«الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا»: قَولُهم وقُعودُهم حَرَكةٌ واحِدة

يَتّصلُ الموصولُ بالذين ذُكروا قبلَه، وتَعرِفُهم صلتُه بفعلَينِ ماضيَين: قالوا لإخوانِهم، وقعدوا. واللامُ تَربطُ القولَ بالإخوةِ من غيرِ أسماء، والواوُ تَضمُّ القعودَ إلى الكلام. والقعودُ من ق-ع-د، وأصلُه عقدٌ يَظهرُ من العُمق ثمّ يَثبتُ بضغط، فيَحمِلُ استقراراً عن الحركة. فتَجتمعُ في الصلةِ حركتانِ متضادّتان، لسانٌ يَتحرّكُ بالقول، وبدنٌ يَثبتُ في موضعِه، والواوُ تَجعلُهما وصفاً واحداً لأصحابِ القول.

«لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا»: دَعوى الطّاعةِ تَبقى مَنقولة

ومقولُهم شرطٌ بـ«لو»: لو أطاعونا ما قُتلوا. وضميرُ الغائبينَ في فعلِ الطاعةِ عائدٌ إلى الإخوة، وضميرُ المتكلّمينَ مفعولُه، فتَجعلُ الدعوى نجاتَهم معلّقةً بطاعةِ القائلين، وجوابُ الشرطِ يَنفي عنهم القتلَ المبنيَّ للمجهول. وترتيبُ الشرطِ يَربطُ الطاعةَ بالنجاةِ في كلامِهم وحدَهم، دونَ حكمٍ مستقلٍّ خارجَ الاقتباس، والآيةُ تَنقلُ هذا الربطَ ولا تُقِرُّه، والأمرُ اللاحقُ يَختبرُ صدقَهم بطلبِ دفعِ الموتِ عن أنفسِهم. والمبنيُّ للمجهولِ يُبقي الفعلَ واقعاً على الإخوةِ وحدَهم، فتَقومُ الدعوى على نسبةِ نجاتِهم إلى طاعةِ القائلين.

«قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ»: الدَّعوى تَدخُلُ امتِحانَ القُدرة

ويأتي الأمرُ للمخاطَبِ المفردِ «قل»، ثمّ تُعقِبُه الفاءُ بأمرٍ للجمع: ادرؤوا. والدرءُ من د-ر-أ: دفعٌ ثابتٌ يَجري ثمّ يَقطعُ المَجرى أمامَ الداخل، فيَحمِلُ إبعاداً، و«عن أنفسكم» يَجعلُ جهةَ الدفعِ بعيدةً عن ذواتِ القائلين، والمفعولُ الصريحُ هو الموت. والانتقالُ هنا دقيق: مَنِ ادّعى أنّ طاعتَه تَمنعُ قتلَ غيرِه يُطالَبُ بأن يَمنعَ الموتَ عن نفسِه، بلا إضافةِ وسيلةٍ أو مهلة.

«إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ»: الصِّدقُ يُواجِهُ المَوت

وتَختمُ «إن» بشرطٍ يَربطُ أمرَ الدرءِ بكونِهم صادقين. والصدقُ من ص-د-ق، ومادّتُه إطباقٌ صُلبٌ يَثبتُ بالدفعِ ثمّ يَنعقدُ في العُمق، فيَحمِلُ مطابقةً ثابتةً بينَ القولِ والواقع. و«صادقين» اسمُ فاعلٍ جمعيٌّ يَحملُ طبيعةً فاعلةً مستمرّة، زيادةً على صدقِ جملةٍ عابرة. والشرطُ يَجعلُ هذه الطبيعةَ معلّقةً بتحقّقِ الأمرِ الذي وُجِّهَ إليهم، ولا يَشهدُ لهم بها، ولأنّ الشرطَ يَتحدّى دعواهم لا يَجوزُ تحويلُ كلامِهم السابقِ إلى حقيقةٍ يَتبنّاها النصّ.


حَصيلة

يَعرِفُ النصُّ أصحابَ القولِ بأنّهم قالوا لإخوانِهم وقعدوا، ثمّ يَنقلُ دعواهم أنّ طاعةَ الإخوةِ لهم كانت ستَمنعُ قتلَهم، ولا يَتركُها بلا اختبار، فيأمرُ المخاطَبَ أن يقولَ لهم: فادرؤوا عن أنفسِكم الموتَ إن كنتم صادقين. ويَنتقلُ القياسُ من سيطرةٍ مزعومةٍ على مصيرِ الغائبينَ إلى عجزٍ يُختبرُ في الأنفس. ويَبقى القتلُ فعلاً مبنيّاً للمجهولِ في قولِهم، ويَجيءُ الموتُ مفعولاً صريحاً في الأمرِ الموجَّهِ إليهم: نَفَوا الأوّلَ عن غيرِهم، وطُلِبَ إليهم أن يَدفعوا الثانيَ عن أنفسِهم.