الإسراء · الآية 27

﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا

«إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا»: خَبَرٌ بِالماضي لا حُكمٌ يُنشَأ

عُدِلَ عن «هُمْ إخوانُ الشَّياطين» إلى «كَانُوا»، والفِعلُ الماضي يُخبِرُ عن أمرٍ قائِمٍ قَبلَ أن يُقال، لا عن عُقوبةٍ تُنشَأُ الآن.

و«الْمُبَذِّرِينَ» اسمُ فاعِلٍ من الفِعلِ الذي نُهِيَ عنه في الآيةِ السّابِقة، ولا رابِطَ بَينَ الآيَتَينِ سِوى الكَلِمةِ نَفسِها، وهو رابِطٌ يَكفي، فالنَّهيُ يُذكَرُ ثُمَّ يُقَلَّبُ إلى وَصفٍ لِأهلِه.

«إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ»: صُحبةٌ لا نَسَب

وجُمِعَ الأخُ هُنا على «إِخْوَان»، ومَدارُ أ-خ-و على اثنَينِ يَنفُذُ كُلٌّ مِنهُما إلى الآخَرِ ثُمَّ يَجمَعُهُما رِباطٌ يُحيطُ بِهِما، ومنه الآخِيّةُ، وهي عُروةٌ تُشَدُّ في الأرضِ تُربَطُ إلَيها الدّابّةُ فلا تَشرُد.

فالأُخُوّةُ المَقولةُ هُنا وِثاقٌ يُشَدُّ إلَيه، لا وِلادةٌ تُنسَب، والمُبَذِّرُ رُبِطَ بِهِم بِفِعلِه ولم يولَدْ مِنهُم.

ولِذلك جاءَ الخَبَرُ بِلَفظِ الصُّحبةِ دونَ لَفظِ الوِراثة، فتُشَدُّ العُروةُ ويَقِفُ الاثنانِ في مَربِطٍ واحِد.

من الجَمعِ إلى المُفرَد: «الشَّيَاطِينِ» ثُمَّ «الشَّيْطَانُ»

ووَقَعَتِ الأُخُوّةُ مَعَ جَمعٍ، ثُمَّ عادَتِ الآيةُ إلى مُفرَدٍ مُعَرَّف، وتُرِكَ فيها «وكانَتِ الشَّياطينُ»، فضاقَ اللَّفظُ من كَثرةٍ إلى واحِد.

والمُرادُ بِالواحِدِ هُنا النَّوعُ يُنظَرُ في حَدِّه، وليسَ فَرداً بِعَينِه، وتُترَكُ الصُّحبةُ ويُسألُ عن الأصلِ الذي مِنه صارَت هذه الصُّحبةُ ما هِيَ.

«لِرَبِّهِ كَفُورًا»: العِلّةُ تُذكَرُ في آخِرِ السِّلسِلة

وهذا آخِرُ حَلَقةٍ في سِلسِلةٍ بَدَأَت بِإيتاءِ حَقّ: أُمِرَ بِإعطاءِ حَقٍّ لِآخِذٍ مُسَمّى، ونُهِيَ عن نَثرٍ لا آخِذَ له، ثُمَّ نُسِبَ النّاثِرُ إلى صُحبة، ثُمَّ سُمِّيَت صِفةُ تِلكَ الصُّحبةِ في وَجهِ رَبِّها، وكُلُّ خُطوةٍ تَرجِعُ خُطوةً نَحوَ المَصدَر.

و«لِرَبِّهِ» تُعَيِّنُ الجِهةَ التي وَقَعَ الكُفرُ نَحوَها، والاسمُ المُختارُ هو الاسمُ الذي يَدورُ على التَّربِيَةِ والإمداد، فالجُحودُ سُمِّيَ في وَجهِ الاسمِ الذي يُسَمّي الإمداد. ومَن جَحَدَ المُمِدَّ فقد قَطَعَ العَطاءَ عن مَنبَعِه، ولا يَبقى في يَدِه إلّا شَيءٌ يُنثَر.

وهُنا يَتَبَيَّنُ لِمَ خُتِمَ النَّهيُ عن التَّبذيرِ بِهذا، فالنّاثِرُ لا يَعرِفُ إلى مَن يُخرِج، ولِأنَّه لا يَعرِفُ إلى مَن فهو لا يَعرِفُ عَمَّن أخَذ، فيَسقُطُ الطَّرَفانِ مَعاً: لا آخِذَ في الأمام، ولا مُعطٍ في الخَلف.

و«كَفُورًا» على فَعُول، وهي صيغةٌ تُكَثِّرُ الوَصفَ وتُثبِتُه. وأصلُ الكَفرِ (ك-ف-ر) تَغطيةٌ تُلصَقُ بِالمُغَطّى حتّى يَغيبَ عن العَين، والمَستورُ هُنا هو العَطاءُ نَفسُه، فلم يُنكَرْ وُجودُه، ولكِنَّه غُطِّيَ حتّى لم يَعُدْ يُرى مَن أخرَجَه.

والضَّميرُ في «رَبِّهِ» يَبقى قائِماً بَعدَ الجُحود، فهو رَبُّه وإن كَفَر، والنِّسبةُ لا تَسقُطُ بِإنكارِ المَنسوب، والغِطاءُ يَستُرُ العَينَ عن النّاظِرِ ولا يَرفَعُها من مَكانِها.


حَصيلة

يُخبَرُ عن النّاثِرينَ بِالماضي لا بِالإنشاء، ويُؤخَذُ اسمُهُم من الفِعلِ المَنهِيِّ عنه في الآيةِ قَبلَها، فيَصيرُ النَّهيُ وَصفاً لِأهلِه. والأُخُوّةُ المَذكورةُ وِثاقٌ يُشَدُّ إلَيه لا وِلادةٌ تُنسَب، فالمُبَذِّرُ رُبِطَ بِفِعلِه ولم يولَدْ مِنهُم. ثُمَّ يَضيقُ اللَّفظُ من جَمعٍ إلى مُفرَدٍ مُعَرَّف، فتُترَكُ الصُّحبةُ ويُنظَرُ في أصلِها، وتُذكَرُ صِفةُ ذلك الأصلِ مُقَيَّدةً بِجِهَتِها: «لِرَبِّهِ». والاسمُ المُختارُ لِلجِهةِ هو اسمُ الإمدادِ نَفسُه، والكَفرُ في جَذرِه تَغطيةٌ تَلزَمُ المُغَطّى فيَغيبُ عن العَين. فالسِّلسِلةُ حُجّةٌ لا سَرد: حَقٌّ يُسَلَّمُ إلى يَدٍ مَعلومة، ونَثرٌ لا يَدَ في طَرَفِه، وصُحبةٌ يوثَقُ إلَيها النّاثِر، وأصلٌ لِتِلكَ الصُّحبةِ غَطّى مَن أعطاه، ومَن جَهِلَ إلى مَن يُعطي فقد جَهِلَ عَمَّن أخَذ.