طه · الآية 106

﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا

«فَيَذَرُهَا»: تَركٌ على حال، لا إنشاءُ شَيءٍ جَديد

الفاءُ لِلتَّعقيب، فهو نَزعٌ ثُمَّ تَركٌ في إثرِه، أي فِعلانِ مُتَتابِعان، وليسا فِعلاً واحِداً مَشروحاً.

و«يَذَرُ» فِعلٌ لا يُستَعمَلُ مِنه ماضٍ، فلَفظُه كُلُّه حاضِرٌ وأمر، وهو أبَداً في وَقتِ وُقوعِه.

وأصلُ و-ذ-ر انفِراجٌ يُفضي فيُستَرسَلُ مَعَه ولا يُمسَك، ومَعنى «ذَرْهُ» دَعْه على ما هو عَلَيه فلا تَتَعَرَّضْ لَه، فالتَّركُ في هذا الأصلِ رَفعُ اليَد، لا وَضعُها.

والفِعلانِ يُقرَآنِ مَعاً، فالأوَّلُ نَزعُ ما كانَ لازِماً، والثّاني رَفعُ اليَدِ عَمّا بَقِي. وعُدِلَ عن أن يُقالَ إنَّه يَجعَلُها قاعاً إلى أنَّه يَذَرُها قاعاً، فالهَيئةُ الأخيرةُ ما بَقِيَ بَعدَ النَّزع، وليسَت صَنعةً ابتُدِئَت.

والضَّميرُ «ها» أقرَبُ ما يَعودُ عَلَيه المَذكورُ قَبلَه، وقد يُرادُ بِه مَواضِعُه، وكِلا الوَجهَينِ في اللَّفظ، والآيةُ لا تُعَيِّنُ واحِداً مِنهُما.

«قَاعًا صَفْصَفًا»: حالٌ تُسَمّي وحالٌ تَصِف

وهُما حالانِ مُتَتابِعَتانِ بِلا واو، تُخبِرُ الأولى بِما صارَ، والثّانيةُ بِهَيئَتِه.

و«الْقاع» من ق-و-ع، ومَعناه أسفَلُ المَوضِعِ مُلتَئِماً لا شَقَّ فيه، يَظهَرُ حينَ لا يَعلوه شَيء، ومِنه «قاعُ الشَّيءِ» لِأسفَلِه، والقاعُ من الأرضِ ما انبَسَطَ واطمَأنَّ فبَدا أدناه، فالكَلِمةُ اسمٌ لِأسفَلَ انكَشَفَ بَعدَ أن كانَ مَستوراً بِما فَوقَه.

و«صَفْصَفًا» لَفظٌ مُضاعَف: «صَف» ثُمَّ «صَف»، ومادّةُ ص-ف-ف امتِدادٌ يُمسَكُ ثُمَّ تُباعَدُ أجزاؤُه على سَمتٍ واحِدٍ لا نُتوءَ فيه، ومِنه «الصَّفُّ» لِجَماعةٍ على خَطٍّ واحِد.

والتَّضعيفُ نَفسُه مَوضِعُ نَظَر، فالكَلِمةُ تُعيدُ مَقطَعَها كما يُعيدُ المُستَوي سَمتَه، والاستِواءُ مَنطوقٌ مَرَّتَينِ في كَلِمةٍ واحِدة.

والجَذرُ نَفسُه وَرَدَ في هذه السّورةِ أمراً في مَقامِ المُواجَهة: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾، فما كانَ هُناكَ هَيئةً يُؤمَرُ بِها قَومٌ يُقالُ هُنا هَيئةً تُترَكُ عَلَيها أرض.


حَصيلة

فاءٌ تُعَقِّبُ فِعلاً بِفِعل: نَزعٌ ثُمَّ تَرك. والفِعلُ الثّاني لا ماضِيَ لَه في الاستِعمال، وجَذرُه انفِراجٌ يُستَرسَلُ مَعَه ولا يُمسَك، فالتَّركُ رَفعُ يَدٍ لا وَضعُها. ولِذلك أوثِرَ «يَذَرُها» على «يَجعَلُها»، فالهَيئةُ الباقِيةُ أثَرُ النَّزع، غَيرُ صَنعةٍ ابتُدِئَت. والضَّميرُ يَحتَمِلُ المَذكورَ قَبلَه ويَحتَمِلُ مَواضِعَه، ولا تُعَيِّنُ الآيةُ واحِداً. ثُمَّ تَتَتابَعُ حالانِ بِلا واو، الأولى تُسَمّي والثّانيةُ تَصِف، و«قَاعًا» في جَذرِه أسفَلُ يَنكَشِفُ بَعدَ أن كانَ مَستوراً بِما فَوقَه، و«صَفْصَفًا» لَفظٌ يُعيدُ مَقطَعَه فيَنطِقُ بِالاستِواءِ مَرَّتَين، وجَذرُه امتِدادٌ توضَعُ أجزاؤُه على سَمتٍ لا نُتوءَ فيه، وهو الجَذرُ الذي أُمِرَ بِه قَومٌ في هذه السّورةِ أن يَأتوا صَفّاً. فما نُزِعَ ما كانَ يَعلوه بَدا أسفَلُه، وما بَدا أسفَلُه لم يَبقَ فيه ما يَعلو.