البقرة · الآية 240

﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

وتَعودُ السّورةُ إلى الأرمَلةِ من زاوِيةٍ جَديدةٍ هي الوَصِيّة: أوصى اللهُ الأزواجَ قَبلَ مَوتِهِم بِأن يَترُكوا لِزَوجاتِهِم حَقَّ المُتاعِ إلى الحَولِ بِلا إخراجٍ من البَيت، وهذه وَصِيّةٌ مادِّيّةٌ وسَكَنِيّةٌ في آن: مالٌ يَكفيها سَنةً، وبَيتٌ لا يُطرَدُ مِنه. ثُمَّ فَتَحَ النَّصُّ بابَ الاختِيارِ لِلمَرأة: إن خَرَجَت بِنَفسِها قَبلَ اكتِمالِ الحَول، فلا جُناحَ على أحَدٍ فيما فَعَلَت في نَفسِها من مَعروف. فالسَّنةُ بابٌ مَفتوحٌ لِلخُروجِ بِقَرارِها الحُرّ، وليسَت سِجناً. والبُعدُ الأخلاقِيُّ في الوَصِيّةِ المادِّيّةِ وعَدَمِ الإخراجِ حَيٌّ في المَنهَجِ القُرآنِيّ، إذ يُعَلِّمُ أنَّ الأرمَلةَ لا تُطرَدُ، ولا تُجَرَّدُ من النَّفَقةِ فَورَ الفَقد.

١. «وَصِيَّةً لِأزواجِهِم»: (و ص ي) والعَهدُ المَتروك

وأصلُ (و ص ي) رَبطُ الشَّيءِ بِالشَّيء، ومِنه «وَصَيتُ الشَّيءَ بِالشَّيء» أي وَصَلتُه، فالوَصِيّةُ عَهدٌ يَرسُمُه المَرءُ قَبلَ مَوتِه لِيَربِطَ مَصيرَ مَن يَترُكُ بِما يَترُك. وقد أصدَرَ النَّصُّ هذا الأمرَ ابتِداءً، لا استِجابةً لِشَكوى، وهذا دَليلُ عِنايةٍ استِباقِيّة. والنَّصُّ يُحَصِّنُ الأرمَلةَ بِوَصِيّةٍ ثابِتةٍ لا يَقدِرُ الأقرَبونَ على إلغائِها، في وَجهِ مَن يُريدُ إخراجَها من بَيتِها ساعةَ المَوت.

٢. «مَتاعًا إلى الحَول»: (م ت ع) و(ح و ل) ومُدَّةُ الأمان

و«المَتاعُ» هُنا يَشمَلُ النَّفَقةَ والسُّكنى ولَوازِمَ الحَياةِ اليَومِيّة، بِدَليلِ الجِذرِ (م ت ع) الَّذي يَدُلُّ على الانتِفاعِ بِالشَّيءِ زَمَناً. وأصلُ (ح و ل) الدَّورةُ الزَّمَنِيّةُ الكامِلة، أي السَّنةُ المُشتَمِلةُ على فُصولِها الأربَعة، فتَحديدُ «الحَول» مُدّةً تَحديدٌ بَيولوجِيٌّ واجتِماعِيّ: البَيولوجِيُّ لِتَظهَرَ عَلاماتُ الحَملِ إن وَقَع، والاجتِماعِيُّ لِتَستَعيدَ المَرأةُ تَوازُنَها بَعدَ صَدمةِ الفَقد، والسَّنةُ الكامِلةُ تُراعي دَورةَ الحَياةِ العاطِفِيّةِ والاجتِماعِيّةِ والمالِيّة.

٣. «غَيرَ إخراج»: (خ ر ج) وحَقُّ السُّكنى

والمُؤَكَّدُ أنَّ أصلَ (خ ر ج) الانفِصالُ عن المَحَلّ، و«الإخراج» فِعلٌ مُتَعَدٍّ بِالإكراه: تُخرَجُ لا تَخرُج. و«غَيرَ إخراج» حالٌ لَصيقةٌ بِـ«الوَصِيّة»، أي الوَصِيّةُ على ألّا تُخرَج، وهذا التَّنصيصُ اللَّفظِيُّ مُهِمّ، لِأنَّه يَحمي المَرأةَ من أقارِبِ زَوجِها الَّذينَ قد يُريدونَ طَردَها بَعدَ المَوتِ لِلاستيلاءِ على البَيت. والنَّصُّ يَحسِمُ المَسألة: البَيتُ حَقٌّ لَها سَنةً كامِلة، لا يُخرِجُها مِنه وارِثٌ ولا أخٌ ولا أبٌ لِلزَّوج.

٤. «فإن خَرَجنَ فلا جُناحَ عَلَيكُم»: حَقُّ الخُروجِ الطَّوعيّ

وبَينَ اللَّفظَينِ تَقابُلٌ دَقيق: الإخراجُ (بِالإكراه) مَمنوع، والخُروجُ (بِاختِيارِها) مَسموح، فالمَرأةُ مُتَّبَعةٌ بِالحَولِ لِلحِماية، وليسَت أسيرَتَه. وإن رَأَت أنَّ الخُروجَ أنفَعُ لَها فلَها ذلك، ولا جُناحَ على أحَدٍ من المَحيطِ في أن يَسمَحَ بِه أو يُيَسِّرَه. وهذا التَّوازُنُ يُحَلِّلُ فَخَّ «الحِمايةِ المُفرِطة»: النُّصوصُ الحامِيةُ قد تَتَحَوَّلُ أحياناً إلى سُجونٍ بِنَزعةٍ ذُكورِيّة، فجاءَ النَّصُّ هُنا لِيُبَيِّنَ أنَّ حُرِّيّةَ الأرمَلةِ في اختِيارِ مَسارِها بَعدَ الصَّدمةِ مَصونةٌ مَعَ حَقِّها في الحِماية.

٥. «فيما فَعَلنَ في أنفُسِهِنَّ مِن مَعروف»: مِعيارُ المَعروفِ

ويَضبِطُ التَّقييدُ «مِن مَعروف» الاختِيارَ الحُرَّ بِمِعيارٍ اجتِماعِيٍّ غَيرِ مُلزِمٍ قانونِيّاً، والحُرِّيّةُ تَحَرُّرٌ داخِلَ شَبَكةٍ أخلاقِيّة، وليسَت فَوضى. ولِلمَرأةِ أن تَخرُج، وأن تَتَزَوَّج، وأن تَعودَ إلى أهلِها، وأن تُدَبِّرَ شُؤونَها، غَيرَ أنَّ ذلك كُلَّه في إطارِ المَعروف. والجِذرُ (ع ر ف) هُنا يَعمَلُ جِدارَ أمانٍ أخلاقِيٍّ يَمنَعُ الحُرِّيّةَ من الانحِدارِ إلى تَصَرُّفاتٍ تُخالِفُ ذاكِرةَ الزَّوجِ المُتَوَفّى وشَرَفَ أُسرَتِها الجَديدةِ والقَديمة.

٦. «عَزيزٌ حَكيم»: (ع ز ز) و(ح ك م) وخِتامُ السُّلطةِ الحَكيمة

والمُؤَكَّدُ أنَّ الخِتامَ بِاسمَينِ مُتَقابِلَينِ مَقصود: «عَزيز» الَّذي لا يُغالَبُ في حُكمِه، و«حَكيم» الَّذي يَضَعُ الأشياءَ في مَواضِعِها، والاقتِرانُ يُفيدُ أنَّ اللهَ يَشرَعُ الأحكامَ بِسُلطةٍ مُطلَقة، غَيرَ أنَّها سُلطةٌ مَضبوطةٌ بِالحِكمةِ لا بِالتَّحَكُّم. وهذا الخِتامُ يَرُدُّ على مَن يَستَصعِبُ الأحكامَ الأُسَرِيّةَ المُعَقَّدة: هذه الأحكامُ صادِرةٌ عن سُلطةٍ حَكيمة، فلا عَبَثَ فيها ولا نَظَرَ قاصِراً. واجتِماعُ «العِزّة» و«الحِكمة» في خِتامِ آيةٍ تَشريعِيّةٍ يُعَلِّمُ المُسلِمَ أن يَلتَزِمَ بِالحُكمِ ولَو لم يُدرِكْ كُلَّ حِكمَتِه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الوَصِيّة» عَهدٌ استِباقِيٌّ يَربِطُ الأرمَلةَ بِالمَتاعِ والسُّكنى؛ و«الحَول» مُدّةٌ بَيولوجِيّةٌ واجتِماعِيّةٌ تُحيطُها بِالأمان؛ و«غَيرُ إخراج» يَمنَعُ الوَرَثةَ من الطَّرد؛ و«فإن خَرَجنَ» يَفتَحُ لَها بابَ الاختِيار؛ و«المَعروف» يَضبِطُ الحُرِّيّةَ بِالشَّبَكةِ الأخلاقِيّةِ لا بِالقَيدِ السُّلطَوِيّ؛ و«عَزيزٌ حَكيم» يَمنَحُ الأحكامَ سُلطةً مُطلَقةً مَضبوطةً بِالحِكمة.


حَصيلة

الآيةُ تَعودُ إلى الأرمَلةِ من زاوِيةٍ جَديدةٍ هي الوَصِيّةُ الاستِباقِيّة: اللهُ يَأمُرُ الأزواجَ قَبلَ المَوتِ بِأن يُخَلِّفوا لِزَوجاتِهِم حِمايةً مالِيّةً وسَكَنِيّةً مُزدَوِجة. وجِذرُ و-ص-ي في «وَصِيّة» رَبطُ الشَّيءِ بِالشَّيءِ حَتّى يَبقى الأثَرُ بَعدَ مَن تَرَكَه، وهو أمرٌ إلَهِيٌّ استِباقِيٌّ لا استِجابةٌ لِشَكوى. وجِذرُ م-ت-ع في «مَتاعاً» الانتِفاعُ بِالنَّفَقةِ والسُّكنى مُدّةً كامِلة، وجِذرُ ح-و-ل في «الحَول» الدَّورةُ الزَّمَنِيّةُ الكامِلةُ بِفُصولِها الأربَعة. والقَيدُ «غَيرَ إخراج» يَمنَعُ الوَرَثةَ من إقصائِها فَوراً. ثُمَّ يَفتَحُ النَّصُّ بابَ اختِيارِها: فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ بِإرادَتِها قَبلَ اكتِمالِ الحَولِ فلا جُناح، والسَّنةُ أرضِيّةُ أمانٍ تَخرُجُ مِنها مَتى شاءَت، وليسَت سِجناً. وتُختَمُ الآيةُ بِاسمَين: جِذرُ ع-ز-ز في «عَزيز» سُلطةٌ لا يُغالَبُ في أحكامِها، وجِذرُ ح-ك-م في «حَكيم» ضَبطٌ يَجعَلُ السُّلطةَ في خِدمةِ الحِكمةِ لا التَّحَكُّم، وهو خِتامٌ يَرُدُّ على مَن يَستَصعِبُ التَّفاصيلَ الأُسَرِيّةَ المُعَقَّدة.