البقرة · الآية 146

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ: صيغةُ التَّفعيلِ في الإيتاءِ وإحكامُ التَّسليم

الآيةُ السابقةُ قالَت الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِصيغةِ المَبنيِّ لِلمَجهول، وهذه الآيةُ قالَت الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ بِإسنادِ الإيتاءِ إلى ضَميرِ التَّعظيمِ مُباشَرةً. والفَرقُ مَقصودٌ: هناكَ إخبارٌ بِوُصولِ الكِتابِ إلَيهِم، وهنا تأكيدٌ أنّ المُسَلِّمَ لِلكِتابِ هو الله. و(أ ت ي) بِصيغةِ التَّفعيل آتَيْنَا تُفيدُ الإيصالَ التامَّ بِقَصدٍ من المُعطي، لا مُجَرَّدَ التَّسليمِ العابِر. ومع ذلك، الآيةُ تُخبِرُ أنّ هذا الإيتاءَ المُحكَمَ من اللهِ قابَلَه كِتمانٌ من بَعضِهم: فَكُلَّما اشتَدَّ الإسنادُ إلى المُعطي، اشتَدَّت جَريمةُ المُخالِف.

(ع ر ف) مَقرونةً بِتَشبيهِ الأُبُوّة: المَعرِفةُ نَمَطيّةٌ لا استِدلاليّة

(ع ر ف) في نواتها: عَينٌ تَرفَعُ من العُمقِ إلى الظُّهور، وراءٌ تَمتَدُّ بِاستِرسال، ففاءٌ تُفَرِّقُ وتُمَيِّز، فالمَعرِفةُ حَرفيّاً إدراكٌ يَصعَدُ من الباطِنِ ويَمتَدُّ حتى يَتَمَيَّزَ المَعروفُ عن سِواه. وليسَت صَدَفةً أن يُشَبِّهَ القرآنُ هذه المَعرِفةَ بِمَعرِفةِ الأبِ ابنَه لا بِمَعرِفةِ الخَبيرِ كِتاباً: الأبُ لا يَعرِفُ ابنَه بِالسِّماتِ المُنفَصِلة، بل بِالنَّمَطِ الكُلِّيّ الذي يَنتَشِرُ على وَجهِه وهَيئَتِه وصَوتِه مَعاً. كذلك العَلاماتُ النَّبَويّةُ عندَ أَهلِ الكِتابِ ليسَت آيةً مَنفَرِدةً يُقاسُ بها بل شَبَكةٌ كامِلةٌ تَنكَشِفُ عندَ مَن عاشَ مع النَّصّ. ومن هنا يَسقُطُ عُذرُ «التَّفسيراتِ البَديلة»: المَعرِفةُ النَّمَطيّةُ لا تُفَكَّكُ بِتَأويلِ جُزءٍ واحِد.

الضَّميرُ ـهُ مُشتَرَكُ المَرجِع: النَّبيُّ والحَقُّ والقِبلةُ في شَبَكةٍ واحِدة

الضَّميرُ في يَعْرِفُونَهُ مُؤَنَّثٌ دَلاليّاً قابِلٌ لِأكثَرِ من مَرجِع: النَّبيُّ ﷺ أَقرَبُ المَذكورِ دَلالةً، والحَقُّ مَذكورٌ في الآيةِ السابقةِ، والقِبلةُ مَوضوعُ السِّياق. والقرآنُ لم يَحسِمِ المَرجِعَ عَمداً: المَعرِفةُ المَنسوبةُ إليهم تَشمَلُ كلَّ هذه الوُجوهِ في آنٍ واحد، فَهُم يَعرِفونَ أنّ النَّبيَّ هو المَوعودُ، وأنّ ما جاءَ به حَقٌّ من الرَّبّ، وأنّ القِبلةَ الجَديدةَ هي القِبلةُ الأصلُ. وهذا الإبهامُ المَقصودُ يَفضَحُ شُمولَ ما يَكتُمونه: لَيسَت قَضيّةَ شَخصٍ أو مَكانٍ بل مَنظومةَ حَقٍّ مُتَّصِلة.

وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ: (ف ر ق) يَفصِلُ الكاتِمَ من المُبَيِّن

الآيةُ لم تَقُل «كُلُّهم يَكتُمون» بل وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ. و(ف ر ق) في نواتها = فَصلٌ يُمَيِّزُ بَين قِسمَين، فالقرآنُ يَفصِلُ بَين جَماعةٍ كَتَمَت وجَماعةٍ لم تَكتُم. وبِمَجَرَّدِ هذا التَّمييزِ، يَسقُطُ عُذرُ الجَماعةِ الكاتِمة: لَو كانَ الكِتمانُ مُبَرَّراً بِصُعوبةِ الفَهمِ أو إشكالٍ في النَّصّ، لَلَحِقَ الجَميعَ بِالضَّرورة؛ لَكِنَّ كَونَ فَريقٍ منهم لَم يَكتُم يُثبِتُ أنّ الكِتمانَ اختِيارٌ لا ضَرورة. والتَّنكيرُ في فَريقاً يَحتَمِلُ التَّقليلَ والتَّكثير، لَكِنَّ التَّأكيدَ بِـإِنَّ واللامِ في لَيَكْتُمُونَ يُثَبِّتُ الحُكمَ في حَقِّهِم مَهما كان عَدَدُهم.

(ك ت م) + (ع ل م): دَفنٌ مَقصودٌ لِعِلمٍ حاضِر، بِعَكسِ (ك ت ب) الذي يَكشِف

(ك ت م) و(ك ت ب) يَشتَرِكانِ في النَّواةِ الأولى (كت) التي تَدُلُّ على إمساكٍ مُحكَم، ويَختَلِفانِ في الحَرفِ الأخير: الميمُ تُغلِقُ وتُلاصِقُ، والباءُ تُظهِرُ وتُخرِج. فَفِعلُ الكِتابةِ إمساكٌ يَخرُجُ إلى السَّطح، وفِعلُ الكِتمانِ إمساكٌ يَنغَلِقُ على نَفسِه. ومن هنا تَظهَرُ مُفارَقةُ أهلِ الكِتاب: هُم أُوتوا الكِتابَ (كت+ب، إظهارٌ مُخَتَّم) ثم مارَسوا الكِتمانَ (كت+م، إحكامٌ مَقفول). فَمَسارُ النَّواةِ الواحِدةِ انعَكَسَ عندَهم من إظهارٍ إلى إغلاق. ثم خُتِمَت الآيةُ بِـوَهُمْ يَعْلَمُونَ جُملةً حاليّة: الكِتمانُ واقِعٌ والعِلمُ حاضِرٌ في آنٍ واحد. ولَو كانَ الفَريقُ يَجهَلُ لَم تَكُن المَسألةُ كِتماناً بل نَقصَ فَهم؛ لَكِنَّ اقتِرانَ الفِعلَين يَكشِفُ أنّ الحاجِزَ إراديّ، وأنّ العِلمَ نَفسَه صارَ عِبئاً يُدفَنُ لا نوراً يَنتَشِر.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: المَعرِفةُ النَّبَويّةُ في الكَلِمةِ إدراكٌ نَمَطيٌّ كَمَعرِفةِ الأبِ لِابنِه، لا استِدلالٌ بِنَصٍّ مُفرَد؛ فَمَن كَتَمَها بَعدَ عِلمٍ غَيَّرَ وَظيفةَ الكِتابِ من إظهارٍ إلى إغلاق.


حَصيلة

التَّحَوُّلُ من الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بِالمَبنيِّ لِلمَجهولِ إلى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ بِإسنادِ الإيتاءِ إلى ضَميرِ التَّعظيمِ مُباشَرَةً مَقصودٌ: كُلَّما اشتَدَّ الإسنادُ إلى المُعطي اشتَدَّت جَريمَةُ المُخالِف. وجَذرُ (ع-ر-ف) في يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يَحمِلُ إدراكاً يَصعَدُ من الباطِنِ ويَمتَدُّ حتى يَتَمَيَّزَ المَعروفُ عن سِواه، والتَّشبيهُ بِمَعرِفَةِ الأبِ ابنَه مَقصودٌ: الأبُ لا يَعرِفُ ابنَه بِسِمَةٍ مُنفَصِلَةٍ بَل بِالنَّمَطِ الكُلِّيِّ الذي يَنتَشِرُ على وَجهِهِ وصَوتِه مَعاً، فالمَعرِفَةُ النَّبَويَّةُ عِندَ أهلِ الكِتابِ شَبَكَةٌ لا تُفَكَّكُ بِتَأويلِ جُزء. والضَّميرُ في يَعْرِفُونَهُ﴾ مُشتَرَكُ المَرجَعِ عَمداً: النَّبيُّ والحَقُّ والقِبلَةُ، فالكِتمانُ يَشمَلُ مَنظومَةَ حَقٍّ مُتَّصِلَة. ثُمَّ يَفصِلُ القرآنُ بِـ(ف-ر-ق): وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ﴾ لا كُلَّهُم، وهذا الفَصلُ وَحدَهُ يُسقِطُ عُذرَ الجَماعَةِ الكاتِمَة: لَو كانَ الكِتمانُ ضَرورَةً لَعَمَّ الجَميع. وأبلَغُ ما في الآيَةِ خِتامُها وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ جُملَةً حاليَّة: الكِتمانُ واقِعٌ والعِلمُ حاضِرٌ في آنٍ واحد، فالعِلمُ صارَ عِبئاً يُدفَنُ لا نوراً يَنتَشِر، وهذا مَعكوسُ (ك-ت-ب) التي تُخرِجُ إلى الظُّهور.