القارعة · الآية 1

﴿الْقَارِعَةُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الْقَارِعَةُ

«الْقَارِعَة»: اسمٌ يَقَعُ على الأُذُنِ كَفِعل

هذه الكَلِمةُ صِيغةُ اسمِ فاعِلٍ من «قَرَعَ»، فهي «الفاعِلَةُ للقَرع»، أي الطّارِقَة، وقد أُفرِدَت بأل فصارَت عَلَماً على واحِدةٍ بِعَينِها، فهي الْقَارِعَة: تِلكَ التي إذا قِيلَت عُرِفَت دونَ أن تُوصَف، وليسَت قارِعَةً مِن قَوارِع.

وكانَتِ العَرَبُ تُسَمّي الدَّواهيَ المُفَجِّعَةَ «قَوارع»، أي ما يَقرَعُ القَلبَ فَيُذهِلُه. وتَعودُ الكَلِمةُ في القرآنِ في سورةِ الرَّعدِ تَهديداً: وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾، غَيرَ أنّها هناك نَكِرَةٌ بَينَ قَوارع، وهي في هذه السورةِ القَارِعَةُ التي لا قارِعَةَ بَعدَها، والطَّرقَةُ التي تَختِمُ كلَّ طَرقَة.

وقد اختارَ النَّصُّ أن يَفتَتِحَ بها وَحدَها، دونَ فِعلٍ ولا خَبَر، وصيغةُ المُبتَدَإ المُفرَدِ تَترُكُ السامِعَ في انتِظارِ خَبَرٍ لا يَأتي بَعد. والآيَةُ التاليَةُ سَتَسأَلُ «ما الْقَارِعَة»، والثالثةُ «وَما أَدراك»، فيَكتَشِفُ السامِعُ أنّ الانتِظارَ نَفسَه جُزءٌ من المعنى. ولا يُخبَرُ عنها، لأنّها أَكبَرُ من أن تُخبَّرَ في جُمَلٍ تامّة.

الجَذرُ ق-ر-ع: صَوتُ ضَربَةٍ تُحدِثُ ما لا يُتَوَقَّع

والقافُ في العَرَبيّةِ صوتُ القَطعِ الحاسِم، لا تَخرُجُ إلّا وقد قُطِعَ مَخرَجُها قَطعاً تامّاً ثمّ انفَجَر، والعَينُ صَوتٌ يَنضَغِطُ في أَقصى الحَلقِ شِدَّةً ثمّ يَنفَتِح، وبَينَهُما الراءُ، صَوتُ التَّكرارِ والجَريان. فالقَرعُ في حُروفِه نَفسِها قَطعٌ حاسِمٌ يَتَكَرَّرُ في امتِدادٍ ثمّ يَنفَتِحُ بضَغطٍ مَكتوم.

وهذا الصَّوتُ يَعرِفُه كلُّ مَن طَرَقَ بابَ بَيتٍ في لَيل، والنَّقرَةُ الأُولى تَفتَحُ في الصَّدرِ مَوضِعاً لا يُغلَق. والقارِعَةُ في الكتابِ طَرقٌ من هذا النَّوع، يَطرُقُ فيه الكتابُ بابَ السامِعِ بِكَلِمةٍ واحِدةٍ ثمّ يَنتَظِرُ مِنه أن يَقوم، ومَن لم يَقُم على الطَّرقَةِ الأُولى تَأتيه الثانيةُ في الآيَةِ التاليَة، والثالثةُ بَعدَها.


حَصيلة

تَفتَتِحُ السورَةُ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ تَفعَلُ ما تَقول: فـ«الْقَارِعَة» اسمُ فاعِلٍ مُعَرَّفٌ بأل، مِن جِذرِ (ق-ر-ع)، وهو جَذرُ النَّقرِ والطَّرق، حَيثُ يَضرِبُ الصَّلبُ الصَّلبَ فيَنفَجِرُ مِنهُ ما يُسمَع. وأَلُ التَّعريفِ فيها تُشيرُ إلى قارِعَةٍ بِعَينِها، تِلكَ التي إذا قِيلَت عُرِفَت دونَ أَن تُوصَف، ولا تُعَرِّفُ حَدَثاً مَعروفاً. وَالآيَةُ التاليَةُ سَتَسألُ «ما الْقَارِعَة»، وَالثالِثَةُ «وَما أَدراكَ ما هي»، فَيَكتَشِفُ السامِعُ أَنَّ الانتِظارَ نَفسَه جُزءٌ مِنَ المَعنى.

وَجِذرُ (ق-ر-ع) يَجمَعُ القافَ صَوتَ القَطعِ الحاسِم، وَالراءَ صَوتَ التَّكرارِ والجَريان، وَالعَينَ صَوتَ الضَّغطِ المَحبوسِ في الحَلق، فالقَرعُ في حُروفِه نَفسِها قَطعٌ مُتَكَرِّرٌ يَنتَهي إلى ضَغطٍ مَسموع. وَقَد عَرَفَتِ العَرَبُ «القَوارِع» نَوعاً مِنَ الدَّواهي التي تَضرِبُ القَلبَ فَتُذهِلُه، وَفي الرَّعدِ تَأتي الكَلِمةُ نَكِرَةً تَهديداً: وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾، أَمّا هُنا فَهي القارِعَةُ المُعَرَّفَةُ التي لا قارِعَةَ بَعدَها.

وَكِتابٌ يُريدُ أَن يوقِظَ يَبدَأُ بِطَرقَةٍ ولا يَبدَأُ بِوَصف، والكَلِمَةُ هُنا تَطرُقُ الأُذُنَ قَبلَ أَن تُفَسِّرَ شَيئاً، وَالسامِعُ لا يَختارُ أيَسمَعُ أم لا، ويَختارُ فَقَط ما يَفعَلُ بَعدَ أَن سَمِع.