القارعة · الآية 2

﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَا الْقَارِعَةُ

«ما الْقَارِعَة»: استِفهامٌ يُكَبِّرُ ولا يُصَغِّرُ

صيغةُ «ما + اسمٌ مُعَرَّف» في القرآنِ كثيراً ما تَأتي بُؤرَةً للتَّهويل، كما في الْحَاقَّةُ ۝ مَا الْحَاقَّةُ﴾ في سورةِ الحاقّة، ووَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ في الواقِعَة، والصيغةُ فيهِما نَفسُها: تُذكَرُ الكَلِمةُ ثمّ يُسأَلُ عَنها، فَيَقَعُ السامِعُ في فَجوَةِ ما لا يُحاطُ بِه.

والقارِعَةُ هنا تَدخُلُ هذا السِّجِلّ، فالاسمُ الذي وَقَعَ على الأُذُنِ ضَربَةً في الآيَةِ الأُولى يَعودُ في الآيَةِ الثانيَةِ مَوضِعَ سؤال. والصَّوتُ الذي طَرَقَ يَستَدعي السائِلَ أن يَسأَلَ عنه، لا أن يُجيب، والسامِعُ لا يَملِكُ جَواباً عمّا قَرَعَه، وكلُّ ما يَملِكُه أن يَستَفهِم.

وفي البَقَرَةِ يَتَكَرَّرُ هذا الأَدَبُ في مَواضِعَ عِدَّة، فحين يَقَعُ ما لا يُحاط يُترَكُ السامِعُ بَين القَولِ والصَّمت: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، وقد عُدِلَ فيها عن تَسمِيَةِ «يَومِ القيامة» باسمِه إلى «يَوماً» نَكِرَةً مُهَوَّلَة، كأنَّ الكتابَ يَعرِفُ أنّ بَعضَ الأَهوالِ تَكبُرُ بالسؤالِ عنها أَكثَرَ مِمّا تَكبُرُ بالخَبَرِ عنها.

التَّكرارُ بَعدَ الطَّرقَة: الصَّوتُ الذي لا يَكتَفي

والقارِعَةُ في الآيَةِ الأُولى طَرَقَت مَرَّة، وهي في الآيَةِ الثانيَةِ تَطرُقُ مَرَّةً ثانيَةً في صيغَةِ السؤال، كأنّ الكتابَ يَفعَلُ بالسامِعِ ما يَفعَلُه الطّارِقُ بالباب، فلا يَكتَفي بطَرقَةٍ واحِدَة، ويَطرُقُ مَرَّةً ثمّ يَنتَظِرُ ثمّ يَطرُقُ ثانية.

وهذا يَعرِفُه كلُّ مَن سَمِعَ نَقرَةً في بابِ لَيلِه: فالطَّرقَةُ الأُولى قد لا تَكفي لِتوقِظَ النائِم، والثانيَةُ تُؤَكِّدُ أنّ ما طُرِقَ ليس وَهماً، والثالثةُ، في الآيَةِ التاليَة، تَفصِلُ بَين السامِعِ وبَينَ ادّعائِه أنّه يَعرِف، والقارِعَةُ تَأتي ثَلاثاً قَبلَ أن يُكشَفَ شَيءٌ منها.


حَصيلة

الكَلِمَةُ ذاتُها تَعودُ، غَيرَ أنَّها تَعودُ مَسبوقَةً بِسُؤال، فالآيَةُ الأُولى طَرَقَتِ الأُذُن، وَالثانيَةُ تَطرُقُها مَرَّةً ثانيَةً في هَيئَةِ استِفهام. و«ما» في العَرَبيَّةِ حينَ تَدخُلُ على اسمٍ مُعَرَّفٍ بأل لا تَطلُبُ تَعريفاً، وإنَّما تَطلُبُ تَعظيماً: «ما هذا الذي قَرَع؟ كَيفَ نُحيطُ بِه؟»، والسُّؤالُ هُنا مِن هذا النَّوعِ الثاني. وَصيغَةُ «ما + مُعَرَّف» تَأتي في القُرآنِ فَضاءً لِلتَّهويل، كَما في الْحَاقَّةُ ۝ مَا الْحَاقَّةُ﴾ وَوَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾.

وَالآيَةُ تَحبِسُ الجَواب، فتَفتَحُ السُّؤالَ ثُمَّ لا تُغلِقُه، ويَنتَظِرُ السّامِعُ بَياناً فَلا يَأتيه، ويَأتيه مَكانَه سُؤالٌ ثالِثٌ في الآيَةِ التاليَة. والطّارِقُ لا يَكتَفي بِطَرقَةٍ واحِدَة، فيَطرُقُ مَرَّة، ثُمَّ يَنتَظِر، ثُمَّ يَطرُق، والسّورَةُ تَبني حَيرَةَ السّامِعِ طَبَقَةً بَعدَ طَبَقَة، لِأَنَّ ما سَيُصَوَّرُ بَعدَ ثَلاثِ آياتٍ يَحتاجُ إلى هذا التَّهيُّؤِ كُلِّه كَي يُتَلَقّى بِحَجمِه الحَقيقيّ.

وَالسُّؤالُ الذي لا يُجابُ يَفتَحُ في القَلبِ مَوضِعاً أَوسَعَ مِمّا يَفتَحُه أَيُّ جَواب، والقارِعَةُ تُعَرَّفُ بِالحَيرَةِ نَفسِها، لا بِالتَّعريف. وَهذا الأَدَبُ مَوجودٌ في البَقَرَة، فحينَ يَقَعُ ما لا يُحاط يُترَكُ السّامِعُ بَينَ القَولِ وَالصَّمت، كَما في وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، و«يَوماً» فيها نَكِرَةٌ، لا اسمٌ لِيَومٍ مَعروف.