الطارق · الآية 1

﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ

«والسَّماءِ»: المَدى الأَعلى يَفتَحُ القَسَم

والواوُ في «والسَّماءِ» واوُ القَسَم، تُفتَحُ بها الآيةُ كما يُفتَحُ بابٌ على ساحةٍ واسِعَة. والسَّماءُ من جِذرِ س-م-و، ومَعناه العُلوُّ والارتِفاع، فهي ما يَسمو فَوقَ الرّائي ويَتَّسِعُ كلَّما رَفَعَ بَصَرَه، لا سَقفٌ مُغلَق.

والقَسَمُ بها يَجعَلُها ساحةَ المَشهَد، ولا يُحضِرُها جَماداً يُستَشهَدُ به، وكأنَّ الآيةَ تَدُلُّ القارئَ على مَدىً يَتَّسِعُ فَوقَه، دونَ أرضٍ يَقِفُ عليها.

«والطّارِقِ»: الصَّوتُ الذي لا يُرى

و«الطّارِق» اسمُ فاعِلٍ من «طَرَقَ»، أي ضَرَبَ البابَ بِنَقَراتٍ مُتَتالِيَة، وقد خُصَّت الكَلِمةُ في العربيّةِ بمَن جاءَ ليلاً، لأنَّ النَّهارَ لا يَحتاجُ إلى طَرق، فالنَّهارُ يَدخُلُ من النّافِذَة، وأمّا اللَّيلُ فيَستَأذِنُ بنَقَرات.

والطّارِقُ يَطرُقُ بِشَيئَين: يَدٍ على بابٍ، وحَدَثٍ على نَفسٍ نائمة، ومَن طَرَقَ البابَ ليلاً أتى بخَبَرٍ لا يَحتَمِلُ الانتِظار. وهذا ما تَفعَلُه الآيةُ في القارئ: تُوقِظُه بنَقرَةٍ تَأتيه من السَّماء، لا من الأرض.

السَّماءُ والطّارِق: مَشهَدٌ واحِد

والواوُ بَين «السَّماء» و«الطّارِق» تَجمَعُهما في مَشهَدٍ واحد، فالسَّماءُ هي السّاحَة، والطّارِقُ هو الفاعِلُ فيها، وكأنَّ السَّماءَ بابٌ كَبير، والطّارِقُ ما يَنقُرُ هذا الباب. وما زالَ القارئُ لا يَعرفُ ما الطّارِق، والسورةُ تَستَأنِفُ في الآيةِ الثانيةِ سُؤالاً تَتَوَلّى الجوابَ عنه: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾.

وهكذا يَفتَحُ القَسَمُ السورةَ على فِكرةٍ بَسيطَة، هي أنَّ ما يَأتي من فَوق يَأتي في وَقتٍ لا يُنتَظَرُ فيه، ويَنقُرُ البابَ نَقرَةً لا يَنامُ بَعدَها مَن أَصغى.


حَصيلة

تَفتحُ السورةُ بقَسَمَين مَوصولَين بواوٍ واحدة: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾. و«السَّماء» من -س-م-و-، وهي المَدى الأعلى المُمتدُّ فوقَ الرأس، و«الطّارِق» من -ط-ر-ق- اسمُ فاعلٍ من طَرَقَ الباب، أي نَقرَةٌ متكرّرةٌ تأتي في الليل. وقد خُصَّ «الطارق» في اللسان العربيّ بمَن جاءَ ليلاً، لأنّ نَقرَتَه تُسمَعُ في صَمتٍ لا يَستُرُها الضوء، فالنهارُ يُرى واللّيلُ يُسمَع، والطارقُ يأتي في وقتِ النوم لا في وقتِ الإبصار. والواوُ تجمعُ السماءَ والطارقَ في مَشهَدٍ واحد: ساحةٌ مفتوحةٌ فوقَ الرأس، ونَقرةٌ تأتي منها. ولم يُعرَّفِ الطارقُ بعدُ، وقد أُجِّلَ التعيينُ إلى الآيةِ الثالثة، فتُوقِظُ هذه الآيةُ الأذنَ بالنَّقرِ قبل أن تعرفَ مَن يَنقُر، وكأنّ السماءَ كلَّها صارت باباً.