الطارق · الآية 2

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ

«وَما أَدراكَ ما...»: صيغةُ التَّعظيمِ في القُرآن

وهذه الصِّيغَةُ تَتَكَرَّرُ في الكتابِ كُلَّما أرادَ أن يُعَظِّمَ شَيئاً قبل أن يُسَمِّيَه، وتَأتي بَين سُؤالٍ وجَواب، فتُحدِثُ في السَّمعِ فُسحَةً يَستَوعِبُ بها ما يَأتي، والفُسحَةُ تَوقيتٌ يُتيحُ للأذُنِ أن تَستَعِدّ، لا فَراغ.

وتَأتي مَعَ الحَدَثِ الكَبير: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، والصيغةُ نَفسُها تُلحِقُ الطّارِقَ هنا بهذا الصِّنف، أي بأمرٍ لا يُعرَفُ إلّا بإخبار.

«أَدرى» لا «عَلِم»: العِلمُ الذي يَأتي بَعدَ سَعي

واللِّسانُ العَرَبيُّ يُفَرِّقُ بين «دَرى» و«عَلِم»، فـ«عَلِم» يُطلَقُ على العِلمِ مُطلَقاً، فِطريّاً كانَ أو مُكتَسَباً، وأمّا «دَرى» فمَخصوصٌ بالعِلمِ الذي يَأتي بَعدَ بَحثٍ أو تَطَلُّب، أو الذي يَتَسَلَّلُ إلى النَّفسِ من وَجهٍ خَفِيّ، ومِنه «الدّاريَة» في كَلامِ العَرَب لِمَن يُتَتَبَّعُ خَبَرُه بِخَفاء.

فالآيةُ حينَ تَقولُ «وَما أَدراكَ» تَسألُ ضِمناً عمّا يُمكِنُ أن يَتَسَلَّلَ إلى عِلمِ المُخاطَبِ بِهذا الأمر، فلا شَيءَ من سَعيِه يَبلُغُه، ولا شَيءَ من الحَدسِ يُدرِكُه، وبَيانُه إنَّما يَنزِلُ عليه من الذي يَعرفه.

السُّؤالُ المُؤَخِّرُ للجَواب

والآيةُ تَطرَحُ السُّؤالَ ولا تَترُكُ المَجالَ لإجابَة، ولو فُسِحَ المَجالُ لتَكَهُّنٍ بَشَريّ لَجاءَت أجوِبَةٌ مُتَعَدِّدَة، غيرَ أنَّها تَنتَقِلُ مُباشَرَةً إلى الآيةِ التّالِيَةِ التي تَتَوَلّى الجَوابَ بِنَفسِها: النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، فالسُّؤالُ في خِدمَةِ التَّعريف، لا الحَيرَة.

وهكذا تُعَلِّمُ الآيةُ القارئَ كيفَ يَتَلَقّى المَعلومَة: بِسُؤالٍ يَفتَحُ الإصغاء، ثمّ بَيانٍ يَملَؤه، والمَعرفَةُ فيها تَأتي في إيقاعٍ من سُؤالٍ وجَواب، ولا تَأتي مُباشَرَةً.


حَصيلة

تُعلِّقُ هذه الآيةُ جوابَ القَسَم وتُوقظُ الأذنَ بسؤالٍ لا ينتظرُ جواباً من المُخاطَب: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾. وصيغةُ «وما أدراك» تتكرّرُ في القرآن قبلَ كلِّ ما يُرادُ تعظيمُه، وتقولُ ضِمناً إنّ هذا ممّا لا يَبلُغُه سعيُ المُخاطَبِ الذاتيّ. و«أدراكَ» من -د-ر-ي-، وهو عِلمٌ يأتي بعدَ تتبُّعٍ أو يتسلَّلُ من وجهٍ خفيّ، أثقلُ في التخصيصِ من «عَلِم» المُطلَق. فحين تقولُ الآيةُ «ما أدراكَ» تنفي عن المُخاطَبِ كلَّ سبيلٍ للإدراكِ من نفسِه، فلا حَدسٌ يَنفُذ، ولا بحثٌ يَبلغ، وإنّما ينزلُ عليه بيانٌ من خارج. والسؤالُ يَترُكُ فُسحةً من الصمتِ تُهيّئُ الأُذنَ قبلَ أن يقعَ الجوابُ في الآيةِ التالية، والترتيبُ تعليميّ: سُؤال، ثمّ سكوت، ثمّ تعريف.