الشمس · الآية 5

﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا

«ما بَناها»: «ما» التي تَلفِتُ إلى الصَّنعَة

قد يَستَغرِبُ القارِئُ أن تَأتيَ «ما» مَوضِعَ الفاعِلِ في وَصفِ باني السَّماء، غَيرَ أنَّ «ما» في العَرَبِيّةِ لَيسَت حِكراً على غَيرِ العاقِل، فهي تَأتي لِلعاقِلِ في مَواضِعَ يَكونُ المَطلوبُ فيها التَّركيزَ على صِفةٍ في الفاعِلِ أو على الفِعلِ نَفسِه، كما يُقالُ في الإعجابِ بِالكاتِب: «انظُر ما كَتَبَت يَدُه»، فيَنتَقِلُ التَّركيزُ من الكاتِبِ إلى ما خَطَّتهُ يَدُه.

وكذلك «ما بَناها» في الآية، تَلفِتُ السّامِعَ إلى البِناءِ نَفسِه قَبلَ أن تَلفِتَه إلى الباني، كأنَّ السّورةَ تَدعوه إلى النَّظَرِ في صَنعةِ السَّماءِ وفي القُدرةِ التي رَفَعَتها، قَبلَ أن يَتَطَلَّعَ إلى الذّاتِ القائِمةِ بِهذه الصَّنعة. والأثَرُ يَدُلُّ على المُؤَثِّر، والصَّنعةُ تَدُلُّ على الصّانِع.

السَّماءُ بِناءٌ، لا فَضاءٌ مَفتوح

و«بَنى» في اللِّسانِ يَدورُ على رَفعِ ما يَستَقِرّ، ومِنه «البَيتُ» المَبنِيّ، و«البُنيانُ» المَرفوع، فالباني يَضَعُ أساساً، ثُمَّ يَرفَعُ عَلَيه ما يَعلو، طَبَقةً تَلتَئِمُ مَعَ طَبَقة. والسَّماءُ في هذه الصّورةِ سَقفٌ مَرفوعٌ على إحكام، وليسَت خَواءً يَمتَدّ، ومَن يَنظُرُ إلَيها لَيلاً يَرى كَواكِبَ مُعَلَّقة، وأفلاكاً تَجري، ونِظاماً يَجمَعُها كَسَقفٍ يَجمَعُ ما تَحتَه.

وفي البَقَرةِ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾، وفيها التَّقابُلُ نَفسُه بَينَ الفَرشِ والبِناء، فالأرضُ مَفروشةٌ تَحتَ الأقدام، والسَّماءُ مَبنِيّةٌ فَوقَ الرُّؤوس، والإنسانُ بَينَ بَسطٍ ورَفع، بَينَ أرضٍ تَحمِلُه وسَماءٍ تَستُرُه.

والقارِئُ الذي يَقِفُ تَحتَ هذا البِناءِ لَيلاً يَتَلَقّى في ضِمنِ القَسَمِ شَيئاً من السُّكون، وفَوقَه ما رُفِعَ بِإحكام، ولا يَسقُطُ مَعَ تَتالي اللَّيالي. والإحكامُ يَدُلُّ على ما لا تَدُلُّ عَلَيه الفَخامة، أي على عِلمٍ يَحفَظ، وعلى يَدٍ تَبني.


حَصيلة

يُغَيِّرُ القَسَمُ الخامِسُ الصّيغة، فيُعدَلُ فيه عن «والسَّماءِ إذا فَعَلَت» إلى «والسَّماءِ وَما بَناها». والجِذرُ ب-ن-ي رَفعٌ على أساسٍ لَبِنةً لَبِنةً حتّى يَستَقِرَّ ما بُنِي، و«ما» تَلفِتُ إلى الصَّنعةِ قَبلَ الصّانِع، فيُنظَرُ في الإحكامِ ثُمَّ تُرفَعُ العَينُ إلى مَن أحكَم. ومادّةُ س-م-و صُعودٌ مُتَّصِل، فالسَّماءُ ما عَلا فَوقَ الإنسانِ في سَقفٍ لا يَسقُط. ويَتَوَسَّعُ القَسَمُ لِيَشمَلَ الذّاتَ التي بَنَت، تَمهيداً لِلقَسَمِ بِالنَّفسِ في الآيةِ السّابِعة. والآيةُ الكَريمةُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ تُصَدِّقُ هذا الوَصف، فالسَّماءُ في الكِتابِ بِناءٌ، لا خَلاء.