الليل · الآية 3

﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ

«وَما خَلَقَ»: غُموضٌ مَحفوظٌ بَين القِراءَتَين

تَحفَظُ العربيّةُ هُنا غُموضاً مَقصوداً، فـ«ما» قد تَكونُ اسمَ مَوصولٍ بمعنى «الذي»، فَيَكونُ المَعنى: «وَالذي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنثى»، والقَسَمُ على هذا بِالخالِق. وقد تَكونُ «ما» مَصدَرِيَّة، أي «خَلقُ»، فَيَكونُ المَعنى: «وَخَلقِ الذَّكَرِ والأُنثى»، والقَسَمُ على هذا بِفِعلِ الخَلق.

وكِلتا القِراءَتَينِ قائِمَةٌ في تَركيبِ النَّصِّ، ولا تَتَعارَضان: فالأُولى تُؤَكِّدُ الفاعِل، أي أنَّ ما خَلَقَ هذا الزَّوجَ هو نَفسُه مَن سَتَأتي السورةُ لِتَتَكَلَّمَ عَنه، والثانيةُ تُؤَكِّدُ الفِعل، أي أنَّ صَنعَةَ الزَّوجِيَّةِ في الخَلقِ نَفسَها شاهِدَةٌ على ما سَيُقال. فالقَسَمُ بِالصانِعِ أو بِالصَّنعَة، وكِلاهُما يَنتَهي إلى الجَوابِ نَفسِه.

«الذَّكَرَ والأُنثى»: زَوجانِ مَنصوصَانِ بِالاسم

وأوثِرَ في الآيةِ النَّصُّ بِالاسمِ «الذَّكَرَ والأُنثى» على «الزَّوجَين» و«الجِنسَين»، وفي ذلكَ تَفصيلٌ لا يُختَزَل، فالزَّوجِيَّةُ في الخَلقِ صورَتانِ مُحَدَّدَتان، يَستَقِلُّ كلٌّ مِنهُما بِاسمِه قَبلَ أن يَدخُلَ في زَوجِه، ولَيسَت تَجريداً.

والذَّكَرُ في العربيّةِ مِن جِذرِ ذ-ك-ر الذي يَدُلُّ على الإبراز والاستِحضار، فالذَّكَرُ هو الجِنسُ الذي يَبرُزُ ويَتَقَدَّم. والأُنثى مِن أ-ن-ث، وفيه مَعنى اللُّيونَةِ والانعِطاف، فالأُنثى هي التي تَلِينُ وتَستَقبِل. والاسمانِ يَلتَقِطانِ شَيئاً مِن وَظيفَة، ولا يَنحَصِرانِ في تَصنيفٍ بَيولوجيّ. وكِلاهُما مَخلوقٌ، وليس أحَدُهُما أصلاً والآخَرُ فَرعاً مِنه، فهُما يَنزِلانِ في الخَلقِ مَعاً، ويَتَكامَلانِ كَما يَتَكامَلُ اللَّيلُ والنَّهار.

المُوازَنَةُ بَين الأقسامِ الثَّلاثَة

وتَرتيبُ الأقسامِ الثَّلاثَةِ يَكشِفُ عن بِنيَةٍ مُحكَمَة: القَسَمُ الأَوَّلُ لَيلٌ يَغشى، والقَسَمُ الثاني نَهارٌ يَتَجَلَّى، والقَسَمُ الثالِثُ ذَكَرٌ وأُنثى، فهي ثَلاثَةُ أزواجٍ يَتَدَرَّجُ مَدارُها مِنَ الكَونيِّ الأكبَرِ إلى الحَيَويِّ المُباشِر، فالكَواكِبُ تَجري في زَوجَين، والكائناتُ تَجري في زَوجَين، والإطارُ كلُّه يَتَكَرَّرُ في كلِّ مُستَوى.

وفي الكِتابِ يَتَكَرَّرُ هذا التَّأطير، ففي سورةِ النَّجم: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾، بالجِذرِ نَفسِه والبِنيَةِ نَفسِها، والزَّوجِيَّةُ شاهِدَةٌ على أنّ الخَلقَ قُطبانِ يَتَكامَلان، وأنَّه لَيسَ صورَةً واحِدَة. وفي هذه السورةِ يَنزِلُ الجَوابُ بَعد الأقسامِ الثَّلاثَةِ على هذه البِنيَة: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى، فالكَونُ يَجري في أزواج، والسَّعيُ البَشَريُّ يَجري في تَنَوُّعٍ يَنقَسِمُ بِدَورِه إلى قُطبَين.


حَصيلة

يَنقُلُ القَسَمُ الثالِثُ المَوضوعَ من الكَونِ الكَبيرِ إلى البِنيَةِ الحَيَّة، فبَعدَ لَيلٍ ونَهارٍ يَأتي ذَكَرٌ وأُنثى، ويَنزِلُ الإطارُ من الفَلَكِ إلى الجَسَد. و«ما» في «وما خَلَقَ» ذاتُ وَجهَين: مَوصولَةٌ، أي الذي خَلَقَ، فالقَسَمُ بالخالِق، أو مَصدَرِيَّةٌ، أي خَلقُ الذَّكَرِ والأُنثى، فالقَسَمُ بفِعلِ الخَلق، وكِلتاهُما قائِمَة. وقد اكتَمَلَت ثَلاثَةُ أَقسام، والجَوابُ يَنزِلُ في الآيةِ التالية: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾.