البقرة · الآية 26

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ

«لَا يَسْتَحْيِي» (ح ي ي): التَّحَفُّظُ فِعلُ كائنٍ حَيّ

جذرُ (ح ي ي) مُشتَرَكٌ بَينَ «الحَياة» و«الحَياء»، وليسَ ذلك مُصادَفةً لُغَوِيّة، فالحَياءُ تَحَفُّظٌ يَنبُعُ من شُعورِ الكائنِ بنَفسِه أمامَ غَيرِه، فيَحتَجِبُ جُزئيّاً خَشيةَ أن تَنكَشِفَ صُورَتُه، وهو بِذلك فِعلُ كائنٍ حَيٍّ يَحمي هُوِيَّتَه. واللهُ «لا يَستَحيي» لأنّ هذا التَّحَفُّظَ لا مَوقِعَ له عِندَه، وليسَ عِندَه ما يَخشى كَشفَه، ولا صورةٌ يَبنيها أمامَ المَخلوقين. فالآيةُ تَكشِفُ عن بُعدٍ وُجوديٍّ في إلهيّتِه، هو التَّجَرُّدُ التامُّ من حاجَةِ حِفظِ الصُّورة.

«أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا»: مَنطِقُ الفاعِليّة لا الحَجم

و«يَضرِبَ مَثَلاً» تَعبيرٌ عَرَبيٌّ قَديم، ومَعنى «ضَرَبَ المَثَل» أوقَعَه في الذِّهنِ وُقوعاً حِسّيّاً، والضَّربُ هُنا تَثبيتٌ قاطِعٌ للصُّورةِ في الوَعي، لا عُنف. والبَعوضةُ في جذرِها (ب ع ض) الجُزءُ الصَّغيرُ من كُلّ. ولَمّا كانَ المَقصودُ التَّحَدِّيَ بِالأصغَرِ انتَقَلَتِ الآيةُ إلى «فَما فَوقَها»، أي الأصغَرِ من البَعوضة. وهذا يَكشِفُ أنّ القَصدَ تَخَطّي كُلِّ فِكرةٍ عن «حَجمٍ مُناسِب» للمَثَل، وليسَ تَقديمَ مَثَلِ بَعوضةٍ بِعَينِها. والفاعِليّةُ لا تُقاسُ بِالحَجم: صُورةُ البَعوضةِ قَد تَكشِفُ من الحَقائقِ ما لا تَكشِفُه صورةُ الجَبَل.

«فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا... وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا»: المَثَلُ مِرآةُ المَوقِع

والآيةُ تُقَسِّمُ المُتَلَقّينَ إلى فَريقَين: فَريقٌ «يَعلَمون أنّه الحَقّ»، وفَريقٌ يَسألُ استِنكاراً «ماذا أرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً؟». والفَرقُ بَينَهما في المَوقِع، وليسَ في الذَّكاءِ ولا في المَعرِفةِ اللُّغَويّة: المؤمنُ يَدخُلُ على المَثَلِ بِحُسنِ ظَنٍّ بِمَصدَرِه فيَبحَثُ عَمّا يَكشِفُه، والكافِرُ يَدخُلُ بِاحتِرازٍ تُجاهَ المَصدَرِ فيَبحَثُ عَمّا يَنتَقِدُه. فالمَثَلُ الواحِدُ يَصيرُ عِندَهم مِرآةً تَعكِسُ مَوقِعَهم: مَن كانَ في طَلَبِ الهِدايةِ وَجَدَها، ومَن كانَ في طَلَبِ الاعتِراضِ وَجَدَه.

«وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ» (ف س ق): خُروجُ الشَّيءِ من قِشرِه

والفاسِقُ في الآيةِ مَن خَرَجَ من مَوقِعِه الطَّبيعي، كأنَّه خَرَجَ من قِشرِه، ولَم يَعُدْ يُؤَدّي دَورَه الذي وُضِعَ له، وليسَ المُذنِبَ اعتِياديّاً. ولذلك قَيَّدَتِ الآيةُ الإضلالَ بِالفاسِقينَ حَصراً، فالضَّلالُ يَحدُثُ لِمَن خَرَجَ من مَوقِعِه فصارَ بِلا مَرجِعٍ داخِلِيّ، ولا يَحدُثُ لِمَن كانَ ثابِتاً فيه. والمَثَلُ في الآيةِ يَأتي اختِباراً: يُضيفُ لِلمُستَقِرِّ في مَوقِعِه تَثبيتاً، ولِلخارِجِ من مَوقِعِه تَشَتُّتاً. فالكَلِمةُ تَسبِقُ المَصطلَح، والهِدايةُ والضَّلالُ أثَرانِ مُتَلازِمانِ لِمَوقِعِ المُتَلَقّي، وليسا حُكمَينِ خارِجيَّين.


حَصيلة

الكتابُ «لا يَستَحيي» من ضَربِ المَثَلِ بالبَعوضة، وفي هذا القَولِ بُعدٌ وُجوديٌّ: الحَياءُ (ح-ي-ي: مُشتَرَكٌ مع الحَياة) تَحَفُّظُ كائنٍ يَحمي صُورَتَه أمامَ غَيرِه، ولا صُورةَ عندَ اللهِ تَحتاجُ حِماية. وعَظَمةُ المَثَلِ في فاعِليَّتِه لا في حَجمِه، فالبَعوضةُ (ب-ع-ض: الجُزءُ الصَّغيرُ من كُلّ) تُلزِمُ المُتَأمِّلَ بِتَغييرِ نُقطةِ نَظَرِه فتَكشِفُ ما لا يَكشِفُه المَثَلُ بالجَبَل. ثُمَّ تُعلِنُ الآيةُ قانوناً أعمَق، وهو أنّ المَثَلَ الواحِدَ يَصيرُ مِرآةً تَعكِسُ مَوقِعَ مَن يَستَقبِلُه: أهلُ الأمانِ يَدخُلون عليه بِحُسنِ ظَنٍّ بِمَصدَرِه فيَعلَمون أنَّه الحَقُّ، والكافِرون يَدخُلون بِاحتِرازٍ فيَبحَثون عَمَّا يَنتَقِدون. والفاسِقون (ف-س-ق: خُروجُ الشَّيءِ من قِشرِه، تَجاوُزُ الكائنِ لِمَوقِعِه الطبيعيّ) هُم وَحدَهم يَزدادون ضَياعاً بالإشارةِ نَفسِها التي تُثَبِّتُ الثَّابِتينَ في مَواقِعِهم، وهذا أثَرٌ من داخِل، لا حُكمٌ من خارِج: مَن فَقَدَ مَرجِعَه الداخليَّ وجَدَ في كُلِّ إشارةٍ جديدةٍ مادَّةً إضافيَّةً للتَّشَتُّت. والهِدايةُ والضَّلالُ أثَرانِ للمَوقِعِ حينَ يَلتَقي بالمَثَل، وليسا حُكمَين خارِجيَّين.