آل عمران · الآية 34

﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

«ذُرِّيَّةً»: الاصطِفاءُ يَمتَدُّ في ذَرٍّ مُتَتابِع

جاءت «ذرية» مَنصوبةً بعدَ ما سَبَقَها كأنَّها حالُ الأسماءِ والبيوت. ومادّةُ ذ-ر-ر نَفاذٌ حادٌّ يَجري ثمَّ يُضاعِفُ جَريانَه، أي حُبَيباتٌ تَنتَشِرُ من أَصلٍ وتَحمِلُ امتِدادَه، والذُّرّيّةُ مَجرى عُبورٍ بينَ الأجيال، ولا تَبقى اسماً للعدد.

«بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ»: الصِّلةُ لا تَختَزِلُ الفَرد

والبَعضُ من ب-ع-ض: اتِّصالٌ يَظهَرُ من عُمقٍ ثمَّ يَنضَمُّ بثِقَل، أي جُزءٌ يَحمِلُ صِلةً بالكُلّ ولا يَستَغرِقُه. وتَكرارُ «بعض» على جانِبَي «مِن» يَجعَلُ الأصلَ والفَرعَ في صِلةٍ مُتَبادَلة، دونَ دَعوى أنَّ الجَديدَ نُسخةٌ مُطابِقة.

«وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»: الامتِدادُ مَسموعٌ مَعلوم

و«سميع» طبيعةٌ مُكثَّفةٌ في تَلَقّي ما يَجري ويَنفُذُ إلى العُمق، و«عليم» طبيعةٌ مُكثَّفةٌ في الإحاطةِ بما يَظهَرُ ويَتَجَمَّع، واقترانُهما يَضَعُ نُطقَ الذُّرّيّةِ وباطِنَها معاً داخِلَ السَّمعِ والعِلم، فلا يَقومُ الاصطِفاءُ على النَّسبِ وحدَه.

الصِّلةُ تَحمِلُ ولا تُذيب

وتَكرارُ «بعض» يَمنَعُ الذُّرّيّةَ من أن تُقرأَ جِسماً واحِداً لا فُروقَ فيه، فكُلُّ جُزءٍ يَأتي «من» جُزءٍ فيَحمِلُ أَثَراً منه، ويَبقى مع ذلك بَعضاً قائماً في مَوضِعِه. ولذلك لا يَصيرُ الامتِدادُ مِلكاً آليّاً لِما كانَ في الأَصل، ولا يَصيرُ الفَرعُ قَطيعةً عنه، فالصِّلةُ تَحمِلُ المَجرى، والفَصلُ بينَ الأجزاءِ يَحفَظُ مَسؤوليّةَ كُلِّ واحِد.

ثمَّ تَأتي الصِّفتانِ الإلهيّتانِ فتَنقُلانِ النَّظَرَ من خَيطِ الخُروجِ إلى ما يَصدُرُ من كُلِّ بَعضٍ وما يَقومُ في داخِلِه، فالسَّمعُ يَبلُغُ ما يَظهَرُ قَولاً، والعِلمُ يَحيطُ بما لا يَظهَر. وبهذا لا يُلغى النَّسبُ الذي أَثبتَته «ذرية»، ولا يُترَكُ وحدَه مِعياراً للاصطِفاء، والامتِدادُ يَصِلُ الأجزاء، والسَّمعُ والعِلمُ يَلقَيانِ كُلَّ جُزءٍ في حاضِرِه.

وفي «بَعضُها من بَعض» يَسقُطُ وَهمانِ مُتقابِلان: وَهمُ الفَردِ الذي يَزعُمُ أنَّه بَدأَ من نَفسِه، ووَهمُ السِّلسِلةِ التي تَبتَلِعُ أَفرادَها. وكُلُّ بَعضٍ مُستَقبِلٌ ومُرسِل، يَحمِلُ ما وَصَلَ إليه، ثمَّ يَخرُجُ منه أَثَرٌ يَصِلُ إلى بَعدِه، وبذلك يَصيرُ النَّسَبُ مَجرى أمانةٍ، لا إعفاءً من الجَواب.


حَصيلة

تَصِلُ الذُّرّيّةُ الأسماءَ المصطفاةَ في امتِداد، و«بعضها من بعض» تَمنَعُ الامتِدادَ من أن يَصيرَ كُتلةً بلا أَفراد، فكُلُّ بَعضٍ يَخرُجُ من بَعضٍ ويَحمِلُ مَسؤوليّتَه الخاصة. وخاتِمةُ السَّمعِ والعِلمِ تَرُدُّ القِيمةَ إلى ما يُسمَعُ ويُعلَمُ من حال، لا إلى الخَيطِ الجَسديِّ وحدَه.