البقرة · الآية 251

﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ ۖ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ ۖ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ

الجذر (ه ز م) و(أ ذ ن): النَّصرُ نِسبةٌ تَعودُ إلى الإذنِ الإلهيّ

أُبَيِّنُ أنَّ (ه ز م) يَدُلُّ عَلى كَسرِ الصَّفِّ وانفِراطِه. «فَهَزَموهم بِإذنِ الله» جُملةٌ تَربِطُ الفِعلَ البَشَريَّ (هَزَموهم) بِالسُّلطانِ الإلهيِّ (بِإذنِ الله). اللَّفظُ يُنسِبُ الهَزيمةَ إلى الجُندِ الصّابِرينَ في ظاهِرِه، ثُمَّ يَسحَبُ هذا النَّسبَ إلى الإذنِ الإلهيِّ. هذا هو الدَّرسُ البَنيَويُّ الذي مَهَّدَت لَه الآيةُ 249 («كَم مِن فِئةٍ قَليلةٍ غَلَبَت فِئةً كَثيرةً بِإذنِ الله»).

داودُ بَينَ القَتلِ والتَّلَقّي: انتِقالُ المَشهَدِ مِن طالوتَ

أُلاحِظُ أنَّ النَّصَّ يَذكُرُ داودَ مُفاجأةً، إذ لَم يَرِد اسمُه قَبلَ هذه اللَّحظة. الظُّهورُ المُتَأخِّرُ مَقصودٌ: داودُ ليسَ المَلِكَ الذي طَلَبَه المَلأ، ولا المَلِكَ الذي اصطَفاهُ اللهُ (طالوتَ)، بَل فَردٌ مِن الجُندِ ارتَقى إلى مَقامِ القَتلةِ الحاسِمةِ ثُمَّ إلى مَقامِ المُلكِ. هذه هندَسةٌ سَرديَّةٌ تُؤَكِّدُ أنَّ الحاسِمَ في المَعركةِ ليسَ صاحِبَ أعلى رُتبةٍ، بَل صاحِبَ أعلى عَمَلٍ.

الجذر (م ل ك) و(ح ك م) و(ع ل م): ثُلاثيَّةُ المُلكِ النَّبَويّ

أؤَكِّدُ أنَّ «آتاهُ اللهُ المُلكَ والحِكمةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاء» يُؤَسِّسُ ثُلاثيَّةً مُتَكامِلةً. (م ل ك) سُلطانُ التَّنفيذ، و(ح ك م) قُدرةُ إحكامِ الأمرِ في مَوضِعِه، و(ع ل م) المَعرِفةُ التي تَسنُدُ القَرار. هذه الثُّلاثيَّةُ تَرفَعُ داودَ عَن مَقامِ طالوتَ الأوَّلِ (مُلكٌ + بَسطةٌ في العِلمِ والجِسمِ) إلى مَقامٍ جَديدٍ يَدخُلُ فيه عُنصُرُ الحِكمةِ كَبُعدٍ ثالِثٍ. انتِقالُ المُلكِ يَحمِلُ تَرقيَةً في النَّوعِ لا استِمرارًا في المَقام.

الجذر (ش ي أ): «مِمّا يَشاء» تَقييدُ المَعرِفةِ بِالمَشيئة

أُشيرُ إلى أنَّ «وعَلَّمَه مِمّا يَشاء» يُقَيِّدُ المَعرِفةَ الإلهيَّةَ المُعطاةَ لِداودَ بِمَشيئةِ الله. الصِّلةُ «مِمّا» تَبعيضيَّةٌ: عَلَّمَه بَعضَ ما يَشاءُ تَعليمَه، لا كُلَّ ما يَشاء. داودُ نَبيٌّ مُعَلَّمٌ، لَكِنَّ تَعليمَه جُزءٌ مِنَ المَعرِفةِ المُطلَقةِ لا كُلُّها. هذه القُيودُ المَقصودةُ تَصونُ حَدَّ البَشَريَّةِ حَتّى في أعلى مَقاماتِها.

الجذر (د ف ع) و(ب ع ض): قانونُ التَّدافُعِ الكَونيّ

أُبَيِّنُ أنَّ «ولَولا دَفعُ اللهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَفَسَدَتِ الأرض» قَفزةٌ بَنيَويَّةٌ تَنقُلُ القِصَّةَ إلى قانونٍ. جَذرُ (د ف ع) يَدُلُّ عَلى صَرفِ الشَّيءِ عَن مَوضِعِه بِقُوَّةٍ. والتَّدافُعُ ليسَ استِئصالًا (اللَّفظُ لَم يَكُن «دَمر» ولا «أفنى»)، بَل إزاحةٌ تُعيدُ التَّوازُن. تَكرارُ «بَعضَهم بِبَعضٍ» يَجعَلُ الفاعِلَ والمَفعولَ نَوعَين مِن نَفسِ الجِنسِ، فَلَيسَ هُناكَ طَرَفٌ مَحفوظٌ أبَديًّا مِنَ الدَّفع. كُلُّ طَرَفٍ يَدفَعُ ويُدفَع، وهكذا يَحتَفِظُ التّاريخُ بِدَوَرانِه.

الجذر (ف س د): الفَسادُ هو البَديلُ المَمنوع

أُلاحِظُ أنَّ (ف س د) يَدُلُّ عَلى خُروجِ الشَّيءِ عَن استِوائه وصَلاحِه. «لَفَسَدَتِ الأرض» أي لَاختَلَّ نِظامُها، لا مُجَرَّدُ أنَّ فيها ظالِمون. الفَسادُ ليسَ وُجودَ الشَّرِّ فَقَط، بَل هَيمَنةَ الشَّرِّ دونَ تَوازُنٍ. ولِذلِكَ فَدَفعُ اللهِ النّاسَ بِبَعضِهم شَرطٌ لِوُجودِ الخَيرِ والشَّرِّ مَعًا عَلى الأرضِ في تَوازُنٍ يَسمَحُ لِلاختِبارِ الإنسانيِّ بِالاستِمرار.

الجذر (ف ض ل) و(ع ل م) في «العالَمين»: الخَتمُ الكَونيُّ

أؤَكِّدُ أنَّ «ولكِنَّ اللهَ ذو فَضلٍ عَلى العالَمين» خاتِمةٌ تُعيدُ التَّأكيدَ عَلى مَبدأ آيةِ 243 («إنَّ اللهَ لَذو فَضلٍ عَلى النّاس»). الفَرقُ بَنيَويّ: «النّاس» في 243، و«العالَمين» في 251. التَّوَسُّعُ مَقصودٌ. مَبدأُ التَّدافُعِ لا يَخُصُّ النّاسَ فَحَسب، بَل يَشمَلُ كُلَّ عالَمٍ، كُلَّ مَجالٍ يُمكِنُ أن يَختَلَّ تَوازُنُه. الفَضلُ الإلهيُّ هُنا ليسَ عَطاءً فَرديًّا، بَل صيانةٌ لِبِنيةِ الوُجودِ ذاتِها.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «الإذنِ الإلهيِّ» في النَّصرِ يَسبِقُ دَورَ العَدَدِ والقُوَّة، ودَورُ «التَّدافُع» قانونًا كَونيًّا يَسبِقُ كُلَّ هُوِيَّةٍ سياسيَّةٍ تَدَّعي الدَّوام.


حَصيلة

الآيةُ تَختِمُ القِصَّةَ بِثَلاثِ طَبَقاتٍ مُتَداخِلة. الأولى: فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. «هَزَموهم» مِن (ه-ز-م) كَسرُ الصَّفِّ وانفِراطُه، لَكِنَّه مُقَيَّدٌ بِـ«بِإذنِ اللهِ»: السَّبَبُ الظّاهِرُ لا يَستَقِلُّ بِنَفسِه. وداودُ يَظهَرُ مُفاجأةً. لَم يُذكَر قَبلَ هذه اللَّحظة. لَيسَ المَلِكَ الذي طَلَبَه المَلأ ولا المَلِكَ الذي اصطَفاهُ الله (طالوتَ)، بَل فَردٌ مِن الجُندِ وَصَلَ إلى المَوقِعِ الفاصِلِ بِالفِعل. الثّانية: «آتاهُ اللهُ المُلكَ والحِكمةَ وعَلَّمَه مِمّا يَشاء». ثُلاثيَّةٌ تَرفَعُ داودَ عَن مَقامِ طالوتَ الأوَّل (م-ل-ك + بَسطةٌ في العِلمِ والجِسم) بِإضافةِ الحِكمةِ مِن (ح-ك-م): إحكامُ الأمرِ في مَوضِعِه قَولاً وفِعلاً. «مِمّا يَشاء» تَبعيضٌ: عَلَّمَه بَعضَ ما يَشاءُ لا كُلَّه. القَيدُ الذي يَصونُ حَدَّ البَشَريَّةِ حَتّى في أعلى مَقاماتِها. الثّالثة: القَفزةُ الكَونيَّة. وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. «دَفع» مِن (د-ف-ع) إزاحةٌ تُعيدُ التَّوازُنَ لا استِئصال. «بَعضَهُم بِبَعضٍ» يَجعَلُ الفاعِلَ والمَفعولَ مِن نَفسِ الجِنس: لا طَرَفَ مَحفوظٌ أبَديًّا مِنَ التَّدافُع. «الفَساد» مِن (ف-س-د) هَيمَنةُ الشَّرِّ دونَ تَوازُن لا مُجَرَّدُ وُجودِه. وتُغلِقُ «ذو فَضلٍ عَلى العالَمين». توَسُّعٌ مِن «النّاس» في آيةِ 243 إلى «العالَمين»: قانونُ التَّدافُعِ يَشمَلُ كُلَّ مَجالٍ يُمكِنُ أن يَختَلَّ تَوازُنُه، والفَضلُ الإلهيُّ هُنا صيانةُ بِنيةِ الوُجودِ لا عَطاءٌ فَرديّ.