الإسراء · الآية 30

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا

«يَبْسُطُ»: الفِعلُ نَفسُه يَعودُ، ويَتَبَدَّلُ فاعِلُه

والآيةُ تالِيةٌ لِما قَبلَها، والكَلامُ فيهِما بَينَ نَهيٍ عن البَسطِ وإخبارٍ بِالبَسط، فقد نُهِيَتِ الكَفُّ عن كُلَّ الْبَسْطِ﴾، ثُمَّ نُسِبَ البَسطُ نَفسُه إلى الرَّبِّ بِلا قَيدٍ ولا حَدّ، وهذا الانقِلابُ في مَوضِعِه هو الخَبَر.

ومَحَلُّ النَّظَرِ المَفعول، فالمَبسوطُ هُناكَ اليَدُ نَفسُها: «تَبسُطْها»، والمَبسوطُ هُنا شَيءٌ آخَر: «الرِّزقَ». واليَدُ تَبسُطُ ذاتَها فتَنكَشِف، والرَّبُّ يَبسُطُ شَيئاً سِواه، ولذلك جازَ في أحَدِهِما الاستيفاءُ وامتَنَعَ في الآخَر، فمَن بَسَطَ نَفسَه استَنفَدَها، ومَن بَسَطَ غَيرَه لم يَنقُصْ مِنه شَيء.

و«يَبسُطُ» مُضارِعٌ يُفيدُ التَّجَدُّد، فهو جارٍ الآنَ ومُستَأنَفٌ بَعدَ الآن، وليسَ فِعلاً مَضى فيُحكى. والرِّزقُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، والذي تَزيدُه هذه الآيةُ عَلَيه أنَّه مَعرِفةٌ بِـ«ال»، فالجِنسُ كُلُّه تَحتَ هذا الفِعل، وليسَ رِزقاً من الأرزاق.

«لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ»: طَرَفانِ لا يُقابِلانِ العَطاءَ بِالمَنع

واللّامُ في «لِمَن يَشاءُ» لِلاختِصاص، والمَوصولُ فيها لم يُعَيَّن. ثُمَّ عُطِفَ «ويَقدِرُ» عارِياً، فلم تُعَدْ مَعه «لِمَن يَشاءُ» ولا ذُكِرَ لَه مَفعول، فيَحتَمِلُ أن يَكونَ القَيدُ الأوَّلُ مُسَلَّطاً على الفِعلَينِ جَميعاً، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ الثّاني مُطلَقاً على حالِه. ولم تَحسِمِ الآيةُ ذلك، فيُعلَنُ الاحتِمالانِ ولا يُرَجَّحُ أحَدُهُما.

وأدَقُّ ما في الجُملةِ أنَّ مُقابِلَ «يَبسُطُ» هو «يَقدِرُ»، دونَ «يَمنَعُ» أو «يَقبِضُ». و ق-د-ر إمساكٌ عِندَ حَدٍّ مَعلوم، ومِنه «قَدَرَ الشَّيءَ» إذا جَعَلَ لَه قَدراً يَنتَهي إلَيه، فالطَّرَفانِ في الآيةِ تَقديرانِ لا مِزاجان: بَسطٌ إلى سَعةٍ وإمساكٌ عِندَ حَدّ، ولَيسَ في واحِدٍ مِنهُما حِرمانٌ يوصَفُ بِه المَقدورُ عَلَيه.

وهذا يَرُدُّ على القارِئِ شَيئاً كانَ قد حَمَلَه من الآيةِ قَبلَها، فاليَدُ نُهِيَت عن طَرَفَينِ ولم يُسَمَّ لَها وَسَط، ثُمَّ جاءَ هذا الخَبَرُ فسَمّى الطَّرَفَينِ مَنسوبَينِ إلى الرَّبِّ في جُملةٍ واحِدة: يَبسُطُ ويَقدِر، وما كانَ في الكَفِّ حَرَجاً هو في المُقَدِّرِ تَدبير.

«إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا»: باطِنٌ ثُمَّ ظاهِر

و«كانَ» هُنا لِلثُّبوتِ لا لِمُضِيٍّ انقَطَع، فالوَصفُ قائِمٌ لم يَبدَأْ ولا يَنتَهي. وجاءَ «بِعِبادِه» بِالباءِ دونَ «عن عِبادِه»، والباءُ لِلمُلابَسة، فهو عِلمٌ مُلاصِقٌ لِلمَعلوم، غَيرُ إخبارٍ من بَعيدٍ ولا خَبَرٍ يُنقَلُ عَنه. والعُبودِيّةُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، وقد تَرَدَّدَ لَفظُها في هذه السّورةِ من أوَّلِها.

ثُمَّ إنَّ الوَصفَينِ مُرَتَّبان، فـ«خَبيرًا» من خ-ب-ر، ومادَّتُه تَدُلُّ على نُفوذٍ إلى الباطِنِ يُخرِجُ ما فيه، ومِنه «خَبَرَ الأرضَ» إذا شَقَّها فأخرَجَ ما تَحتَ سَطحِها. و«بَصيرًا» مَفهومٌ يُرجَعُ فيه إلى المُعجَم، ومَوقِعُه هُنا بَعدَ الخِبرة، فالباطِنُ أوَّلاً ثُمَّ الظّاهِر، لا العَكس.

وهذا التَّرتيبُ يُجاوِبُ الشَّطرَ الأوَّلَ من الآية، ففيه بَسطٌ وتَقديرٌ يَقَعانِ على النّاسِ في الظّاهِر، وعِلمٌ يَنفُذُ إلى ما تَحتَ الظّاهِرِ يَسبِقُهُما في التَّرتيب، والكَفُّ تَرى ما في يَدِها، والذي يَبسُطُ ويَقدِرُ يَرى ما في يَدِها وما تَحتَ جِلدِها.


حَصيلة

فِعلٌ نُهِيَ عَنه في اليَدِ يُخبَرُ بِه عن الرَّبِّ بَعدَ آيةٍ واحِدة، ولا قَيدَ مَعه هُنا كالقَيدِ الذي كانَ هُناك. واختَلَفَ المَفعول، فالكَفُّ تَبسُطُ ذاتَها فتَستَنفِدُها، والرَّبُّ يَبسُطُ سِواه فلا يَنقُص. وجُعِلَ مُقابِلُ البَسطِ «يَقدِرُ» دونَ المَنع، وهو إمساكٌ عِندَ حَدٍّ مَعلوم، فالطَّرَفانِ تَقديرانِ لا مِزاجان. و«لِمَن يَشاءُ» ذُكِرَت مَرّةً ولم تُعَدْ، فبَقِيَ الثّاني مُحتَمِلاً لِلقَيدِ ولِلإطلاق، ولا تَحسِمُ الآيةُ ذلك. ثُمَّ خَتمٌ يُلاصِقُ العِلمَ بِالمَعلومِ بِالباء، ويُقَدِّمُ النَّفاذَ إلى الباطِنِ على النَّظَرِ إلى الظّاهِر، وما ضاقَ في الكَفِّ فبِمِقدارٍ ضاق، ومَن قَدَّرَه رَأى ما تَحتَه قَبلَ أن يَراه.