آل عمران · الآية 26

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

«اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ»: المِلكُ داخِلُ مِلكٍ أَوسَع

يَأتي الأمرُ بالقَولِ ثمَّ النِّداءُ الجامعُ «اللهم». والوَصفُ «مالك الملك» يَضَعُ كُلَّ سُلطانٍ داخِلَ مِلكٍ أعلى. الجذرُ م-ل-ك يَجمعُ تَلاصُقاً يَمتَدُّ ثمَّ يَضبِطُ ما يَملِكُه. وتَكرارُ اللفظِ يَفصِلُ بينَ مِلكٍ مَمنوحٍ يَتَداوَلُه الناسُ ومالِكٍ لا يَخرُجُ المِلكُ من قَبضتِه.

«تُؤْتِي... وَتَنزِعُ... وَتُعِزُّ... وَتُذِلُّ»: أَربعةُ أفعالٍ تَنفي ثَباتَ المَرتبة

تَتَوازى الأفعالُ: إيتاءٌ ونَزع، وإعزازٌ وإذلال. والنَّزعُ من ن-ز-ع انبِعاثٌ يَندَفِعُ ثمَّ يَظهَرُ من العُمق، فيُخرَجُ الشيءُ من اتِّصالٍ ظُنَّ أنَّه دائم. وتَكرارُ «مَن تشاء» يَرُدُّ كُلَّ انتقالٍ إلى مَشيئةٍ تَختارُ من المُمكِنات، لا إلى استِحقاقٍ يَملِكُه صاحِبُ المَرتبةِ في ذاتِه.

العِزُّ يَمنَحُ مَنَعةً لا تُغلَب، والذُّلُّ يَخفِضُ ما ظَنَّ أنَّه قائمٌ بذاتِه. لا تَجعَلُ الآيةُ المَرتبتَينِ هُويّتَين ثابتتَين، بل فِعلَين يَجريانِ تحتَ مالِكِ المِلك.

«بِيَدِكَ الْخَيْرُ... عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»: القُدرةُ تُحيطُ بالتحوُّل

اليَدُ موضِعُ القَبضِ والفِعل، وإضافةُ الخَيرِ إليها تَجعَلُه في مَحلِّ التَّصرُّفِ الإلهيّ. ثمَّ تَختمُ الآيةُ بالقُدرة. القَدْرُ من ق-د-ر حَدٌّ مُحكَمٌ ثابتٌ يَجري على مِقدارِه. و«قدير» بِنْيةٌ تُكثِّفُ القُدرة: إحاطةٌ بتَقديرِ كُلِّ شيءٍ وإجرائِه في حَدِّه.

مِن تَداوُلِ المِلكِ إلى ثَباتِ الخَير

تَنتَظِمُ الأفعالُ في زَوجَينِ مُتقابِلَين: إيتاءٌ يَلقاه نَزع، وإعزازٌ يَلقاه إذلال. أمّا الخَيرُ فلا يَدخُلُ في هذا التَّقابُلِ كأنَّه نِصفٌ أمامَ نِصف، بل يُفرَدُ ويُضافُ إلى اليَدِ التي تَحمِلُ الفِعلَ كُلَّه. بذلك لا تَصيرُ المَرتبةُ المُعطاةُ دَليلاً أنَّ صاحبَها امتَلَكَ الخَير، ولا تَصيرُ المَرتبةُ المَنزوعةُ دَليلاً أنَّ الخَيرَ غاب؛ المِعيارُ باقٍ عندَ مالِكِ المِلكِ لا عندَ مَن تَداوَلَه.

ويَعودُ تَكرارُ «تشاء» أربعَ مَرّاتٍ فيَمنَعُ الأفعالَ من أن تَتحَوَّلَ إلى سُلَّمٍ ذاتيٍّ يَصعَدُ فيه الإنسانُ بقُوَّتِه وحدَها. كُلُّ فِعلٍ يَبقى مَربوطاً بالمَشيئة، ثُمَّ تأتي القُدرةُ في الخاتِمةِ فتَشمَلُ «كلَّ شيء». وبينَ التَّكرارِ والعُمومِ يَسقُطُ وَهمُ الاستِقلال: لا المِلكُ يَخرُجُ من مِلكِه، ولا التَّحوُّلُ يَخرُجُ من قُدرَتِه، ولا الخَيرُ يَخرُجُ من يَدِه.


حَصيلة

يُخرِجُ الدُّعاءُ المِلكَ من وَهمِ صاحِبِه: كُلُّ مِلكٍ مَوضوعٌ داخِلَ مِلكِ الله، يُعطى ويُنزع، وتَعلو به مَرتبةٌ أو تَنخفِض. وتَمنَعُ «بيدك الخير» هذا التَّداوُلَ من أن يُفهَمَ فَوضى، ثمَّ تَربِطُه «قدير» بتَقديرٍ يُحيطُ بكُلِّ شيء. المَرتبةُ تَتَغَيَّر، أمّا اليَدُ التي تَحمِلُ إمكاناتِها فلا تَتَغَيَّر.