البقرة · الآية 106

﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

جذر (ن س خ): نَقلٌ لا إزالة

النَّسخُ في أصلِ اللِّسانِ العَرَبيّ نَقلُ ما في نُسخَةٍ إلى نُسخَةٍ أخرى. يُقالُ: نَسَخَ الكاتِبُ الكِتابَ، أي نَقَلَ مَضمونَه إلى صَحيفَةٍ جَديدَة، فيَبقى الأصلُ ويَنشَأُ فَرعٌ يَحمِلُ المَعنى نَفسَه أو يَنتَقِلُ بِه إلى سِياقٍ آخَر. فالنُّواةُ في (ن س) سَريانٌ دَقيقٌ نافِذ، والخاءُ تُضيفُ مَعنى التَّخَلخُلِ والتَّفريغ. فالنَّسخُ إذَن تَحويلُ الحُكمِ من صيغَةٍ إلى صيغَةٍ أنسَبَ، لا إلغاءُ المَقصِد. والفَرقُ بَينَ النَّقلِ والإلغاءِ جَوهَريّ: النَّقلُ يَحفَظُ الدَّورَ ويُغَيِّرُ الصيغَة، والإلغاءُ يَنفي الدَّورَ كُلَّه. والقُرآنُ يَعمَلُ بِالأوَّلِ لا بِالثاني.

جذر (ن س ي): خُروجٌ مِنَ الاستِعمالِ لا مِنَ الوُجود

«نُنسِها» مُشتَقٌّ مِن (ن س ي)، ومَعناهُ الأصليُّ خُروجُ الشَّيءِ مِن دائِرَةِ الاستِعمالِ الحاضِر، لا فُقدانُه مِن عالَمِ الوُجود. فالياءُ تُفيدُ الاتِّصالَ والامتِدادَ بَعدَ السَّرَيانِ الدَّقيقِ في النُّواة (ن س)، فهي تَسَرُّبٌ مِنَ الذَّاكِرَةِ الحاضِرَةِ مَع بَقاءِ الأثَر. والآيَةُ لا تَقولُ إنَّ اللهَ يُفقِدُ آيَتَه، بَل إنَّه قَد يَرفَعُها عَن دائِرَةِ العَمَلِ الآنيّ. وبِهذا يُقرَأُ الفِعلُ قِراءةً دَوريّةً لا وُجوديّة: الآيَةُ تَخرُجُ عَن مَوقِعِها لِتَنتَقِلَ إلى مَوقِعٍ آخَر، كَما تَنتَقِلُ النُّسخَةُ بَينَ صَحائِف.

«آيَة»: عَلامَةٌ أعَمُّ مِن آيَةِ سورَة

لا يَلزَمُ أن تَكونَ «الآيَةُ» في قَولِه مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ آيَةً مِن سُورَةٍ قُرآنيَّة. الآيَةُ في اللِّسانِ عَلامَةٌ ظاهِرَةٌ ودَليلٌ واضِح، فتَشمَلُ الآياتِ الكَونيَّةَ والرِّسالاتِ والأنبياءَ والمُعجِزاتِ والشَّرائِعَ. فنَبيٌّ يَأتي بِقِصَّةٍ ومُعجِزَةٍ ثُمَّ يُنسَى ذِكرُه ويَأتي نَبيٌّ بَعدَه، ومُعجِزَةٌ تَظهَرُ ثُمَّ تَأتي مُعجِزَةٌ أظهَرُ مِنها، وشَريعَةٌ تَكونُ لِأُمَّةٍ ثُمَّ يُبَدَّلُ فيها لِأُمَّةٍ أخرى. كُلُّ ذلِكَ داخِلٌ في النَّسخِ بِالمَعنى القُرآنيِّ الواسِع، بَل لَعَلَّه هُو المَعنى الأوَّليّ.

«بِخَيرٍ مِنها أو مِثلِها»: تَحقيقُ المَقصِدِ قاعِدَةُ البَديل

الشَّرطُ في كُلِّ نَسخٍ أن يَأتي بَديلٌ يُحَقِّقُ المَقصِدَ نَفسَه أو يَزيد. و«خَير» هُنا لا يَعني الأفضَليَّةَ المُجَرَّدَةَ بَل المُلاءَمَةَ لِلزَّمَنِ والمُخاطَب. فالحُكمُ الأوَّلُ كانَ مُناسِباً لِمَوضِعِه، ثُمَّ جاءَ البَديلُ يُحَقِّقُ الوَظيفَةَ نَفسَها في مَوضِعٍ جَديد. ومِنهُ التَّدَرُّجُ في تَحريمِ الخَمرِ من إقرارِ الإثمِ مَع ذِكرِ المَنافِع، إلى النَّهيِ عَنِ الصَّلاةِ في حالِ السُّكر، إلى التَّحريمِ النِّهائيّ؛ والتَّحوُّلُ في القِبلَةِ إلى المَسجِدِ الحَرام؛ والمَنعُ مِنَ الجَمعِ بَينَ الأُختَينِ بَعدَ أن كانَ في شَرائِعَ سابِقَة. في كُلِّها الدَّورُ الإلهيُّ حاضِر، والصيغَةُ تَتَبَدَّل.

جذر (ق د ر): التَّدَرُّجُ تَقديرٌ لا عَجز

ختمُ الآيَةِ بِاسمِ القَديرِ مَقصودٌ في سِياقِ النَّسخ. (ق د ر) في اللِّسانِ وَضعُ الشَّيءِ بِمِقدارِه، فالقَديرُ هُو المُقَدِّرُ الذي يَضَعُ كُلَّ أمرٍ في مَوضِعِه بِقَدرٍ مَحسوب. والنَّسخُ بِهذا الفَهمِ تَقديرٌ لا تَراجُع، ومَن يَقرَأُه تَناقُضاً فَقَد خَلَطَ بَينَ الدَّورِ والصيغَة. فالقَديرُ يَضَعُ الحُكمَ الأوَّلَ في مَوضِعِه ثُمَّ يَضَعُ البَديلَ في مَوضِعِه، وكِلا الوَضعَينِ بِتَقديرٍ لا بِاضطِراب.

النَّقلُ لا يَنفي الأصل: الآيَةُ تَتَحَوَّلُ ولا تَزولُ

الآيَةُ نَفسُها تَضبِطُ مَعنى فِعلِها: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أو مِثلِها، فالحَركَةُ إتيانٌ بِبَديلٍ مُكافِئٍ أو أوفى، لا رَفعٌ يَترُكُ المَوضِعَ خاوِياً. ولِذلِكَ يُقرَأُ مَا نَنْسَخْ نَقلاً يَحفَظُ الدَّورَ ويُبَدِّلُ الصيغَة، لا إلغاءً يَنفي الدَّورَ كُلَّه. ومَن يَقرَأُ النَّسخَ نَفياً لِما ثَبَتَ فقَد جَعَلَ الأدنى يَرفَعُ الأعلى، والآيَةُ تَأبى ذلِكَ: التَّحويلُ بِخَيرٍ أو مِثلٍ يَقتَضي بَقاءَ المَقصِدِ لا سُقوطَه، فما يَتَبَدَّلُ هُو الوِعاءُ لا الوَظيفَة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: النَّسخُ في أصلِ اللِّسانِ نَقلٌ لا إلغاء، والآيَةُ عَلامَةٌ يَتَحَوَّلُ مَوقِعُها ويَبقى مَقصِدُها، والقَديرُ يُقَدِّرُ لِكُلِّ زَمَنٍ صيغَتَه دونَ أن يَنقُضَ دَورَه.


حَصيلة

جذرُ ن-س-خ يقولُ في أصلِ اللِّسانِ نَقلَ ما في نُسخةٍ إلى نُسخةٍ أخرى، لا إلغاءَ الكِتابِ كُلِّه؛ وجذرُ ن-س-ي يقولُ خُروجَ الشيءِ مِن دائِرةِ الاستِعمالِ الحاضِرِ لا فُقدانَه مِن عالَمِ الوُجود. ومَن يَجمعُ القراءتَينِ يَرى أنَّ الآيةَ لا تُقرِّرُ إلغاءً بَل تصِفُ تَحويلاً: الحُكمُ يُنقَلُ مِن صيغَةٍ إلى صيغَةٍ أنسَبَ لِزَمَنٍ جَديد، كما يَنقُلُ الكاتِبُ مَضمونَ صَحيفَةٍ إلى صَحيفَةٍ أُخرى فَيَبقى المَعنى ويَتَجَدَّدُ الوِعاء. وشَرطُ كلِّ نَسخٍ صريحٌ في الآية: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، أي البَديلُ يُحَقِّقُ المَقصِدَ نَفسَه أو يَزيد، ولا يُجيزُ الانتِقالَ إلى أقلَّ. ومِن هُنا أنَّ النَّسخَ، بِنَصِّ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، تَحويلٌ يُبقي المَقصِدَ ويُبَدِّلُ الصيغَة، لا رَفعٌ يُسقِطُ الدَّورَ ولا انتِقالٌ إلى ما هو أدنى. والخَتمُ بِاسمِ القَديرِ مِن جذرِ ق-د-ر ليسَ خِتامَ قُوَّةٍ مُجَرَّدة، بَل خِتامُ التَّقديرِ بِمَعناهُ الدَّقيق: وَضعُ كلِّ أمرٍ في مَوضِعِه بِمِقدارِه المَحسوب. والنَّسخُ بِهذا الفَهمِ إقامَةٌ لِلأُمورِ في مَقاديرِها لا تَراجُعٌ عنها، والمُصطَلَحُ الفِقهيُّ اللاحِقُ ضَيَّقَ ما وَسَّعَه اللِّسان.