الإسراء · الآية 99
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«أَوَلَمْ يَرَوْا»: استِفهامٌ يَدخُلُ على نَفي
لم يَقُلْ «أرَأَوا». دَخَلَتِ الهَمزةُ على «لَم» النّافِيةِ الجازِمة، فصارَ السُّؤالُ عن غيابِ الرُّؤيةِ لا عن حُضورِها. والفَرقُ بَينَهُما مَوضِعُ الثِّقَل: الأوَّلُ يَطلُبُ خَبَراً، والثّاني يَضَعُ النَّفيَ مَوضِعَ التَّعَجُّبِ منه.
ثُمَّ تَعَدّى الفِعلُ إلى «أَنَّ» ومَعمولِها لا إلى مَفعولٍ مَحسوس. فالمَرئيُّ في هذه الآيةِ نِسبةٌ تُقَرَّرُ لا عَينٌ تُشاهَد. والرُّؤيةُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه؛ والذي يُلاحَظُ هُنا أنَّ ما طُلِبَ مِنهُم إدراكُ عَلاقةٍ بَينَ أمرَينِ كِلاهُما مَعروض.
«الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ»: صِلةٌ ماضِيةٌ وخَبَرٌ قائِم
الاسمُ الأعظَمُ ذُكِرَ ثُمَّ وُصِفَ بِمَوصولٍ صِلَتُه فِعلٌ ماضٍ تَمَّ ووَقَع. والخَبَرُ بَعدَه اسمُ فاعِلٍ لا فِعل: «قَادِرٌ». والخَلقُ والقُدرةُ مَفهومانِ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيهِما.
وفي هذا التَّرتيبِ بِناءُ الجُملة. المَبنى الماضي هو الأرضُ التي يَقومُ عَلَيها الوَصفُ القائِم: ما صُنِعَ ويُشاهَدُ يَحمِلُ ما يُقالُ عن الصّانِع. فلَم يُطلَبْ مِنهُم أن يُصَدِّقوا بِما لم يَرَوا؛ طُلِبَ مِنهُم أن يَقرَؤوا في المَرئيِّ ما يَلزَمُ عنه.
واسمُ الفاعِلِ يَقولُ الوَصفَ ثابِتاً لا حادِثاً. لَو قيلَ «يَقدِرُ» لَكانَ فِعلاً يَتَجَدَّد؛ و«قَادِرٌ» صِفةٌ قائِمةٌ لا تُنتَظَرُ ولا تَنقَضي. والسَّماواتُ والأرضُ مَفهومانِ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيهِما.
«أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ»: مُحاذاةٌ لا إعادة
لم يَقُلْ «قادِرٌ على أن يَخلُقَهُم». قيلَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾، والمُتَعَلَّقُ بِالقُدرةِ هو المِثل.
والجَذرُ م-ث-ل انطِباقُ صورةٍ على صورةٍ في دَقائِقِها ثُمَّ تَعَلُّقُ إحداهُما بِالأُخرى. ومنه «المِثال» ما يُحتَذى فيُصنَعُ على صورَتِه. والمِثلُ في حُروفِه مُحاذٍ لا عَين: يُطابِقُ ولا يَكونُ إيّاه.
وهذا ما تَقولُه الآيةُ ويُوقَفُ عِندَه. المَقدورُ عَلَيه في اللَّفظِ صُنعُ ما يُحاذيهِم، وهُم أنفُسُهُم لم يُذكَروا في مَوقِعِ المَخلوق. والذي يَقيسُ الأصغَرَ على الأكبَرِ يَجِدُ السَّماواتِ والأرضَ في أوَّلِ الجُملةِ ومِثلَهُم في آخِرِها.
«وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ»: حَدٌّ يُوضَعُ لَهُم لا عَلَيهِم
«وَجَعَلَ» ماضٍ مَعطوفٌ على ماضٍ. والجَعلُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه. واللّامُ في «لَهُمْ» لامُ الاختِصاص: الأجَلُ مَوضوعٌ لِأجلِهِم، لا مَضروبٌ عَلَيهِم كما يُضرَبُ الحِصار.
و«أَجَلًا» نَكِرةٌ لم تُعَيَّنْ بِوَقتٍ ولا بِمِقدار. والجَذرُ أ-ج-ل احتِباسٌ يُستَرُ في الجَوفِ ثُمَّ يُعَلَّقُ بِحَدٍّ يَنتَهي إليه. فالأجَلُ في حُروفِه مُدّةٌ مَحجوبةٌ عن النَّظَرِ ومَعقودةٌ على غايَةٍ تَنتَهي إلَيها؛ ولِذلك يَقَعُ اللَّفظُ على المُدّةِ كُلِّها وعلى مُنتَهاها.
ثُمَّ الوَصف: «لَّا رَيْبَ فِيهِ». الرَّيبُ في جَذرِه جَريانٌ مُسترسِلٌ لا يَستَقِرُّ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِصاحِبِه فيُلازِمُه، فهو اضطِرابٌ سائِلٌ لا يُفارِق. ونُفِيَ هُنا عن الأجَلِ نَفسِه: «فِيهِ»، أي في داخِلِه هو. لم يُنفَ عن نُفوسِهِم بَل عن الحَدِّ المَوضوع. فالثّابِتُ ثابِتٌ وإن تَمَوَّجَ النّاظِرُ إليه.
«فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا»: الخِتامُ نَفسُه وقَد ضاقَ فاعِلُه
هذا الخِتامُ قد وَقَعَ في هذه السّورةِ قَبلاً: فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. والآنَ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾. الفِعلُ واحِدٌ والاستِثناءُ واحِدٌ والمُستَثنى واحِد، ولا يَتَبَدَّلُ إلّا الفاعِل.
وانظُرْ كَيفَ ضاق. كانَ الأوَّلُ مَوصوفاً بِالعَدَد: «أَكْثَرُ النَّاسِ»، وهو حُكمٌ على كَثرةٍ لا على صِفة. وصارَ الثّاني مَوصوفاً بِالفِعل: «الظَّالِمُونَ»، اسمُ فاعِلٍ يَنُصُّ على ما يَعمَلونَه. فانتَقَلَ الوَصفُ من كَمٍّ يُحصى إلى عَمَلٍ يُنسَب. والظُّلمُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه.
و«أَبَى … إِلَّا» استِثناءٌ مُفَرَّغ: الإباءُ واقِعٌ على كُلِّ شَيءٍ ولا يَنجو منه إلّا المُستَثنى. فلَم يَختاروا واحِداً من أشياء؛ رَفَضوا الأشياءَ كُلَّها وأبقَوا واحِداً. ومَن رَفَضَ كُلَّ شَيءٍ إلّا الغِطاءَ فقَد جَعَلَ الغِطاءَ كُلَّ ما عِندَه.
حَصيلة
سُؤالٌ يَدخُلُ على نَفي، فيُسألونَ عن غيابِ رُؤيةٍ لا عن حُضورِها، والمَرئيُّ نِسبةٌ لا عَين. ثُمَّ صِلةٌ ماضِيةٌ تَحمِلُ خَبَراً قائِماً: ما صُنِعَ ويُشاهَدُ هو أرضُ الوَصفِ الذي بَعدَه، واسمُ الفاعِلِ يَقولُه ثابِتاً لا مُتَجَدِّداً. والمَقدورُ عَلَيه في اللَّفظِ «مِثلُهُم»، وحُروفُ المِثلِ مُحاذاةٌ تُطابِقُ ولا تَكونُ العَينَ نَفسَها. ثُمَّ أجَلٌ مُنَكَّرٌ مَوضوعٌ لَهُم بِلامِ الاختِصاص، وهو في جَذرِه مُدّةٌ مَحجوبةٌ مَعقودةٌ على غاية، ونُفِيَ الاضطِرابُ عن داخِلِه لا عن نُفوسِهِم. ثُمَّ يَعودُ خِتامٌ سَبَقَ في هذه السّورةِ بِلَفظِه كُلِّه، ويَضيقُ فاعِلُه وَحدَه: من كَثرةٍ تُعَدُّ إلى وَصفٍ يُنسَبُ إلى العَمَل. والاستِثناءُ مُفَرَّغٌ فلَم يَبقَ لَهُم مِمّا رَفَضوه إلّا ما استَثنَوه. حَدٌّ لا رَيبَ فيه، وقَومٌ لم يَبقَ عِندَهُم إلّا ما يَحجُبُ.