آل عمران · الآية 40

﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ

«أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ»: سؤالُ الطريقِ لا رَدُّ البِشارة

يَسألُ زكريّا «أنّى» ولا يَدفَعُ الخَبَر، ومَعنى سُؤالِه: مِن أيِّ وَجهٍ يَعبُرُ هذا المُمكِنُ إلى الوُقوع؟ و«يكون» من ك-و-ن، كَتمٌ يَحبِسُ الشَّيءَ في باطِنٍ ثمّ يَنبَعِثُ بِه، فتَخرجُ الحالُ من حَيِّزِ الإمكانِ إلى الظُّهور. والسؤالُ مُتَّجِهٌ إلى الكَيفيّةِ التي يَصيرُ بها الغُلامُ «لي» مع أنّ الشُّروطَ المَرئيّةَ لا تَفتَحُ هذا الطريق.

«وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ»: قَيدانِ مُسمَّيان

وتَذكُرُ الآيةُ قَيدَينِ ولا تُخفيهما: الكِبَرُ بَلَغَه، وامرأتُه عاقر. و«بلغني» من ب-ل-غ، اتِّصالٌ يَمتَدُّ حتى يَغورَ في مَبلَغِه، ومَحَلُّ النَّظَرِ أنّ الكِبَرَ هو الفاعِلُ الذي وَصَلَ إليه. ثمّ يأتي «عاقر» اسمَ فاعِل، فيَعرِضُ العُقرَ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّة، وبذلك يَبلُغُ السؤالُ تمامَه: قَيدٌ فيه وقَيدٌ في زَوجِه.

«كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ»: لا شَرحَ للآليّةِ بل وَصلُ المَشيئةِ بالفعل

ويَردُّ الجَوابُ الإمكانَ إلى فِعلِ الله: «كذلك»، ولا يَأتي بتَفصيلِ الآليّة. والمَشيئةُ من ش-ي-أ انتشارٌ يَمتَدُّ حتى يَحسِمَ اختيارَه، ثمّ يَصِلُها النَّصُّ بالفعل، والمَشيئةُ غيرُ تَمَنٍّ مُعلَّق، وما يَشاءُه الله يَدخُلُ مَجالَ الفِعلِ وإن انغَلَقَ الطريقُ في حِسابِ المُشاهِد.

القَيدُ يُذكَرُ ولا يَملِكُ آخِرَ الكَلام

ويَجيءُ السُّؤالُ بعدَ الدُّعاءِ والبِشارة، فيَكشِفُ أنَّ تَلَقّي العَطاءِ لا يَعني امتِلاكَ طَريقِه. وزكريّا يَعرِفُ ما بَلَغَه وما استَقَرَّ في امرأتِه، ولذلك لا يَطلُبُ إمكاناً مُجرَّداً، ويَضَعُ الوَعدَ أمامَ واقِعٍ مُغلَقِ المَنافِذ في نَظَرِه. وهذه المُواجَهةُ تَمنَعُ الرَّجاءَ من أن يكونَ تَغافُلاً عن الحال، ولا تَهدِمُه، فهو رَجاءٌ يَعرِفُ القَيدَ ثمَّ يَسألُ عمّا لا يَعرِف.

والجَوابُ يَترُكُ الكِبَرَ والعُقرَ مَذكورَينِ في الجُملة ولا يَمحوهما، ثمَّ يَنقُلُ مَركزَ الحُكم. وما يَصِفُ حالَ الإنسانِ يَملِكُ أن يَرسُمَ حُدودَ قُدرَتِه، غيرَ أنَّه لا يَملِكُ أن يَرسُمَ حُدودَ فِعلِ الله. وفي «يَفعل» يَخرُجُ الجَوابُ من صُورةٍ يُطالَبُ الداعي بتَخيُّلِها إلى فِعلٍ يَرجِعُ إلى فاعِلِه، فالسَّائلُ لا يُكلَّفُ أن يَبتَكِرَ المَمرَّ، ويُرَدُّ إلى مَن يَفتَحُه إذا شاء.


حَصيلة

يَسألُ زكريّا عن طريقِ الكَونِ بعدما سَمّى القَيدَينِ كاملَين: كِبَرٌ بَلَغَه وعُقرٌ قائمٌ في امرأتِه. والجَوابُ يَنقُلُ المِحورَ من حِسابِ الطريقِ إلى مَصدَرِ الفِعل: الله يَفعَلُ ما يَشاء، ولا يُلغي القَيدَينِ ولا يَشرَحُ حِيلةً لتَجاوُزِهما. فإذا اتَّصَلَ الاختيارُ بالفعلِ لم تَعُد حُدودُ المَرئيِّ حُدودَ المُمكِن.