آل عمران · الآية 29

﴿قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

«إِن تُخْفُوا... أَوْ تُبْدُوهُ»: حالانِ لا يُغَيِّرانِ المَعلوم

الإخفاءُ من خ-ف-ي تَخَلخُلٌ يَنفُذُ مُفَرِّقاً ثمَّ يَمتَدُّ في اللُّطف، فيَخرُجُ الشيءُ من مَجالِ الظُّهور. والإبداءُ يَنقُلُه إلى السَّطح. وتَضَعُ «أو» الحالَينِ في حُكمٍ واحد: يَعلَمْه الله.

«مَا فِي صُدُورِكُمْ... وَمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ»: مِن الدَّاخِلِ إلى الإحاطة

يَبدأُ المَعلومُ بما في الصُّدور، أَوعِيةِ الباطِن، ثمَّ يَتَّسِعُ إلى ما في السماواتِ والأرض. والعِلمُ من ع-ل-م ظُهورٌ من عُمقٍ يَتَعَلَّقُ ثمَّ يَتَجَمَّع. لا يَحتاجُ العِلمُ الإلهيُّ إلى أن يُبدِيَ الإنسانُ ما أَخفاه.

«وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»: العِلمُ مَقرونٌ بالقُدرة

لا تَختِمُ الآيةُ بالسَّمعِ فقط، بل بالقُدرةِ على كُلِّ شيء. الجذرُ ق-د-ر حَدٌّ مُحكَمٌ مَضبوطٌ يَجري على مِقدارِه. فالمَعلومُ ليسَ خارِجَ التَّقدير، والخَفيُّ لا يَصنَعُ مَجالاً خارِجَ الإحاطة.

الصَّدرُ المَستورُ داخِلُ المَجالِ المَعلوم

يَبدو ما في الصَّدرِ أَبعَدَ الأشياءِ عن شُهودِ الآخَرين، لكنَّ الآيةَ لا تَترُكُه حَيِّزاً قائماً بجانِبِ السماواتِ والأرض. إنَّه داخِلُ هذا الشُّمول، ثمَّ يُذكَرُ أوّلاً لأنَّ الإخفاءَ يَبدأُ عندَه في وَعيِ الإنسان. وما يَعدُّه صاحِبُه باطِناً لا يَخرُجُ من «ما في» التي تَتَكَرَّرُ في المَجالَينِ الأوسَع؛ الباطِنُ الإنسانيُّ مَستورٌ عن نَظَرٍ مَحدود، لا عن العِلمِ الذي أَحاطَ بالحَيِّزِ وما فيه.

لهذا لا يَصنَعُ الإبداءُ عِلماً جديداً لله، كما لا يَصنَعُ الإخفاءُ جَهلاً عابِراً ثمَّ يُزال. الحالانِ يَكشِفانِ مَوقِفَ الإنسانِ من مَكنونِه: إمساكاً أو إظهاراً. أمّا الخاتِمةُ فتَمنَعُ فَصلَ العِلمِ عن القُدرةِ، فلا يَصيرُ المَعلومُ شيئاً مَكشوفاً لا يَبلُغُه التَّقدير. كُلُّ ما يَتحَرَّكُ بينَ الصَّدرِ والظُّهورِ يَبقى داخِلَ عِلمٍ مُحيطٍ وقُدرةٍ لا يَخرُجُ عنها شيء. وبذلك يَفقِدُ الإخفاءُ وَهمَ أنَّه مَخرَجٌ من الحِساب، من غيرِ أن تَفقِدَ النَّفسُ مَسؤوليّةَ ما اختارَت أن تُمسِكَه أو تُبدِيَه.


حَصيلة

يَتَغَيَّرُ مَوقِعُ الشيءِ بالنِّسبةِ إلى الإنسانِ بينَ الإخفاءِ والإبداء، ولا يَتَغَيَّرُ مَوقِعُه من عِلمِ الله. ثمَّ تَتَّسِعُ الدائرةُ من الصُّدورِ إلى السماواتِ والأرض، وتُغلَقُ بالقُدرةِ على كُلِّ شيء. ما يُستَرُ عن الخَلقِ يَبقى داخِلَ العِلمِ والتَّقدير.