آل عمران · الآية 165

﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

«أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ»: الاستفهامُ يَستحضِرُ وصولَ الأثر

تَجمعُ الهمزةُ والواوُ استفهاماً يَصلُ الكلامَ بما سبق، و«لمّا» تَفتحُ زمنَ وقوعِ الفعل. و«أصابتكم» من ص-و-ب، ومادّتُه شَيءٌ يَنصَبُّ من جِهةٍ فيَنزِلُ على مَوضِعٍ بِعَينِه، فيَحمِلُ وصولاً مباشراً. والفاعلُ «مصيبة» جاء نكرة، والضميرُ مفعولٌ جمعيّ، فموضعُ السؤالِ وصولُ مصيبةٍ إلى جماعةِ المخاطَبين.

«قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا»: المقابلةُ تَزِنُ المصيبةَ بمِثلَيها

ودخلت «قد» على ماضٍ مسندٍ إلى المخاطَبين، فأثبتت أنّهم أصابوا قبلَها «مثليها». والتثنيةُ في «مثلين» تَعودُ هاؤها إلى المصيبة، فتَحفظُ مقدارَينِ من مِثلِها. والمِثلُ من م-ث-ل: تلاصقٌ يتجمّعُ بكثافةٍ دقيقة ثمّ يَتميّزُ عندَ وجهِ الشبه، فالمقابلةُ تضعُ المصيبةَ الواصلةَ بإزاءِ مِثلَينِ سبقَ أن أصابَهما المخاطَبون.

«قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا»: السؤالُ المنقولُ يَبحثُ عن الجهة

وجوابُ «لمّا» قولُ المخاطَبين: أنّى هذا. واسمُ الإشارةِ المفردُ عائدٌ إلى المصيبةِ المذكورة، و«أنّى» سؤالٌ عن جهةِ مجيئِها. ويَعرضُ القولُ دهشتَهم بعدَ المقابلةِ بالمِثلَين، ويَضعُ ترتيبُ الآيةِ إصابتَهم السابقةَ قبلَ تعجّبِهم من إصابةٍ وصلت إليهم.

«قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ»: الجَوابُ يَعودُ إلى الدّاخِل

ويأتي الأمرُ للمخاطَبِ المفردِ بجوابٍ موجز: هو من عند أنفسكم. والضميرُ عائدٌ إلى «هذا»، و«من» تَفتحُ جهةَ الابتداء، ثمّ يَجمعُ «عند» القربَ و«أنفسكم» الداخلَ المنسوبَ إلى الجماعة. ويَردُّ الجوابُ جهةَ الابتداءِ من سؤالِ «أنّى» إلى داخلِ أنفسِهم، فتَعودُ المصيبةُ إليهم من أقربِ موضع.

«إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»: القُدرةُ تَرُدُّ الفِعلَ كُلَّه إلى اللهِ وتَجعَلُ الجَوابَ مُحيطاً

وتَختمُ «إنّ» بالتوكيد، و«قدير» خبرٌ يَتعلّقُ به «على كلّ شيء». والقدرةُ من ق-د-ر، وأصلُها عقدٌ يَثبتُ بضغطٍ ثمّ يَجري تقديرُه نافذاً، وصيغةُ المبالغةِ تَحملُ كثافةَ القدرةِ واستمرارَها، و«كلّ» تَستغرقُ الأشياءَ واحداً واحداً. وبذلك تَلتقي نسبةُ البدايةِ إلى أنفسِهم مع إحاطةِ قدرةِ الله بكلِّ شيء.


حَصيلة

تَستحضرُ الآيةُ مصيبةً وصلت إلى المخاطَبين بعدَ أن أصابوا مِثلَيها، ثمّ تَنقلُ سؤالَهم «أنّى هذا» وتُجيبُ بأمرٍ صريح: هو من عند أنفسكم. فتَرجعُ جهةُ الابتداءِ إلى داخلِ الجماعة، وتَحفظُ الخاتمةُ قدرةَ الله على كلِّ شيء، وبهذا تَجتمعُ مسؤوليةُ الأنفسِ والإحاطةُ الإلهيّةُ في جوابٍ واحد.