الأعلى · الآية 12

﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ

«يَصلى»: مُلامَسَةٌ تَنفُذُ في الجِسم

ومَدارُ ص-ل-ي على المُلامَسَةِ بِالنّارِ على وَجهٍ يَنفُذُ في الشَّيء، ومِنه «صَلى الشَّاةَ» إذا شَواها فنَضِجَت بِالنّار، و«اصطَلى» إذا اقتَرَبَ مِنَ النّارِ لِيَستَدفِئَ بِها. والفِعلُ في «يَصلى» مُجَرَّدٌ بِغَيرِ تَضعيف، يَدُلُّ على ما يَقَعُ على الفاعِلِ نَفسِه، وجاءَ على «يَصلى النار» (تَفعَلُ بِه النّارُ نُضجاً أو عَذاباً)، دونَ «يَصلي النارَ» (يَفعَلُ بِها شَيئاً).

والصّيغَةُ المُضارِعَةُ تَدُلُّ على فِعلٍ يَتَجَدَّدُ في الزَّمَن، فالأَشقى يَدومُ في صَلْيِها، ولا يَدخُلُ النّارَ مَرَّةً ثُمَّ يَخرُج. والآيَةُ التّالِيَةُ سَتَكشِفُ هذا الدَّوام: «ثُمَّ لا يَموتُ فيها ولا يَحيى»، والفِعلُ المُضارِعُ في هذه الآيَةِ مُمَهِّدٌ لِنَفيِ طَرَفَيِ الانفِكاكِ في تِلك.

«النارَ الكُبرى»: مُقابِلَةُ «اليُسرى»

وأَصلُ ك-ب-ر عُلُوُّ الشَّأنِ ووَزنُ الشَّيءِ في حَيِّزِه، و«الكُبرى» على وَزنِ فُعلى التَّفضيلِيِّ المُؤَنَّث، وهو الوَزنُ الذي ظَهَرَ في «اليُسرى» في الآيَةِ الثّامِنَة، والسّورَةُ تُقابِلُ في بِنيَتِها بَينَ طَرَفَينِ بِالصّيغَةِ التَّفضيلِيَّةِ نَفسِها: تَيسيرٌ يَؤولُ إلى يُسرى، وتَجَنُّبٌ يَؤولُ إلى كُبرى.

ووَصفُ النّارِ بِالكُبرى يَفصِلُها عَن نيرانِ الدُّنيا، فنارُ الدُّنيا تَنطَفِئ، تُحرِقُ ما تَلمَسُه ثُمَّ تَخمَد، وأمّا الكُبرى فلا انطِفاءَ لَها، ومَن يُلامِسُها لا يَجِدُ في حَجمِها ولا في دَوامِها ما يُشبِهُ نارَ الدُّنيا. والتَّفضيلُ في «الكُبرى» تَفضيلٌ في الجِنس، فهي أَكبَرُ نارٍ مِن نيرانِ الدُّنيا، وهي كذلك أَكبَرُ في صورَةِ النّارِ كُلِّها.

صِلَةٌ تُعَرِّفُ بِما يَؤولُ إلَيه الفِعل

والآيَةُ نَعتٌ يَلتَصِقُ بِـ«الأَشقى» في الآيَةِ السّابِقَة، صَدرُه المَوصولُ «الَّذِي» وما بَعدَه صِلَتُه، والصِّلَةُ في النَّحوِ العَرَبِيِّ تُحَدِّدُ المَوصولَ بِفِعلٍ مُتَعَلِّقٍ بِه، و«الأَشقى» قَد عُرِّفَ بِأل، فالمَوصولُ وصِلَتُه يُلحِقانِ بِه ما يَكشِفُ هذا التَّعريف: التَّجَنُّبُ في الدُّنيا، والصَّلْيُ في الآخِرَة، والفِعلانِ مُتَلازِمان.

ووَصلُ الآيَتَينِ في النُّطقِ يُفهِمُ أنَّ الذي يَتَجَنَّبُ في الدُّنيا لا يَنفَلِتُ مِن أَثَرِ تَجَنُّبِه، والجانِبُ الذي يَختارُه في هذه الدّارِ يَؤولُ بِه إلى جانِبٍ في الدّارِ الأُخرى، ومَن أَخَذَ جانِباً يُجاوِرُ النّارَ بِفِعلِه أَخَذَه في صورَتَين: تَجَنُّبٌ هُنا، وصَلْيٌ هُناك.


حَصيلة

تُعرِّفُ هذه الآيةُ الأشقى بما يؤولُ إليه: الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ﴾. والصلةُ تُحدِّدُ ما لا يتحدَّدُ بالاسمِ وحدَه، فالأشقى موصوفٌ بفعلِه لا بهويّتِه. و«يَصلى» من -ص-ل-ي-، وهو مُلامَسةٌ بالنارِ تنفذُ في الجسم، فالشيءُ يُصلى في النارِ ليُنضَجَ بها أو يُعذَّب، والفعلُ في صورتِه يجعلُ الأشقى في النار، وصائراً مع ذلك إلى ما تفعلُه النارُ في الجسم، فهو مُلامِسٌ لها، لا مُجاوِر. والمضارعُ يدلُّ على فعلٍ يتجدَّدُ لا حادثةٍ تنتهي. و«الكُبرى» على وزنِ فُعلى التفضيليِّ المؤنَّث يُقابلُ «اليُسرى» في الآيةِ الثامنة: هناك سبيلٌ هي الأيسر، وهنا نارٌ هي الأكبر، وهما طرفانِ في فُعلى، كلاهُما في غايةِ ما هو فيه. وما تحتَها من نيرانِ الدنيا قابلٌ للانطفاء، وهذه غيرُ قابلةٍ له.