الغاشية · الآية 4

﴿تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً

«تَصلَىٰ»: مُلابَسةُ النارِ لا مُجاوَرَتُها

الجِذرُ ص-ل-ي يَدورُ على لُزومِ النّارِ ومُباشَرَتِها حتّى تَنفُذَ في المَصلِيّ، والصِّلاءُ ما يُصطَلى بِه، و«صَلَى اللَّحمَ» شَواه على النّارِ حتّى تَأخُذَه، و«اصطَلى» دَنا مِنها يَلتَمِسُ حَرَّها. فالفِعلُ مُماسّةٌ تَلزَمُ وتَنفُذ، يَصيرُ بِها الجِسمُ نَفسُه مَوضِعَ الحَرّ، ولم يُرَدْ بِه النَّظَرُ إلى نارٍ من بَعيد.

وصيغةُ «تَصلَىٰ» تَجعَلُ الوُجوهَ التي تَقَدَّمَ ذِكرُها «خاشِعةٌ عامِلةٌ ناصِبةٌ» هي التي تَلي النّار، فلا تَنفَكُّ عَنها. والنَّصَبُ الذي قَبلَها كانَ كَدّاً بِلا ثَمَر، وهذه النّارُ مُنتَهى ذلك الكَدّ، أي حَرَكةٌ كادِحةٌ تَؤولُ إلى مُماسّةٍ لازِمة.

«ناراً»: حَرٌّ مُضيءٌ يَأخُذُ ما يُلابِسُه

والنّارُ من ن-و-ر، وهو أصلٌ يَدورُ على ظُهورٍ مُضيءٍ يَنبَعِثُ ويَسري، والنّارُ ضَوءٌ وحَرٌّ مَعاً، تُبصَرُ من بَعيد، وتَأخُذُ ما دَنا مِنها أخذاً. وقد جاءَت هُنا نَكِرةً: «ناراً»، دونَ تَعريف، فهي نارٌ غَيرُ مَعهودةٍ في جِنسِ ما يُعرَف، ذُكِرَت مُبهَمةً لِيَقَعَ في النَّفسِ هَولُها قَبلَ أن يُحيطَ بِها وَصف.

والنَّكِرةُ إذا وُصِفَت ازدادَت تَعييناً في الإبهام: نارٌ ثُمَّ «حامِيَة»، فالتَّنكيرُ يَفتَحُ البابَ، والصِّفةُ تُغلِقُه على هَيئةٍ بِعَينِها لا تُشبِهُ المَألوف.

«حامِيَةً»: حَرٌّ يَحتَدِمُ ويَحتَوي مَن يَلِيه

وأصلُ ح-م-ي حَرٌّ يَشتَدُّ ويَحتَوي، فـ«حَمِيَ الحَديدُ» اشتَدَّ حَرُّه حتّى احمَرّ، و«الحِمى» مَوضِعٌ يُحاطُ فيُمنَع. والحَرُّ في هذا الأصلِ احتِدامٌ يَحتَوي ما دَخَلَ فيه فلا يُفلِتُه، وهو غَيرُ السَّطحِ الذي يَلفَحُ ثُمَّ يَزول.

فوَصفُ النّارِ بِأنَّها «حامِيَة» يَجمَعُ أمرَين: شِدّةَ الحَرِّ في ذاتِها، وإحاطَتَها بِمَن صَلِيَها، وهو يُطابِقُ صيغةَ «تَصلَىٰ» مُطابَقةً تامّة، فمِن جانِبِ الوُجوهِ مُلابَسةٌ لازِمة، ويُقابِلُها من جانِبِ النّارِ احتِواءٌ حارّ.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ مُنتَهى الوُجوهِ الكادِحةِ النّاصِبة: «تَصلَىٰ» من ص-ل-ي، وهي مُلابَسةٌ لِلنّارِ تَلزَمُ وتَنفُذُ لا مُجاوَرةٌ من بَعيد. و«ناراً» من ن-و-ر، حَرٌّ مُضيءٌ يَنبَعِثُ ويَأخُذُ ما يَليه، وقد جاءَ نَكِرةً لِيَقَعَ هَولُه قَبلَ الإحاطةِ بِه. و«حامِيَةً» من ح-م-ي، حَرٌّ يَحتَدِمُ ويَحتَوي مَن دَخَلَ فيه فلا يُفلِتُه. وتَنتَظِمُ الألفاظُ الثَّلاثةُ في هَيئةٍ واحِدة، فحَرَكةُ الكَدِّ تَؤولُ إلى مُماسّةٍ لازِمة، يُقابِلُها احتِواءٌ حارٌّ مُحتَدِم، وبِها يَتَشَكَّلُ وَصفُ المَآلِ الأوَّلِ من المَآلَينِ اللَّذَينِ تُفَصِّلُهُما السّورة.