الإسراء · الآية 18
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«مَّن كَانَ يُرِيدُ»: حالٌ تُقيمُ لا واقِعةٌ تَمُرّ
لم تَقُلِ الآيةُ «مَن أرادَ». قالَت «كانَ يُريدُ». و«كانَ» مَعَ المُضارِعِ صيغةُ الدَّيدَنِ المُتَّصِل: فِعلٌ يُعادُ ولا يَنقَضي. فالمَوصوفُ لَيسَ صاحِبَ لَحظةٍ أرادَ فيها، بَل صاحِبَ حالٍ يُقيمُ عَلَيها. وستَبدَأُ الآيةُ التي تَليها بِـوَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾، ماضِياً مَفروغاً منه. فالطَّرَفانِ يَختَلِفانِ في أوَّلِ كَلِمةٍ من شَرطِهِما، قَبلَ أن يَختَلِفا في المَطلوب.
والجَذرُ ر-و-د تَرَدُّدٌ لَيِّنٌ يَتَّصِلُ بِمَقصِدِه حتّى يَثبُتَ عِندَه. ومنه الرّائِدُ يَتَرَدَّدُ في الأرضِ حتّى يَقَعَ على المَوضِعِ فيَثبُتَ عليه، ومنه رُوَيداً لِلمَشيِ الهَيِّنِ على مَهَل. فالإرادةُ في هذا الجَذرِ لَيسَت وَثبةً واحِدة، بَل مُعاوَدةٌ تُقيمُ حتّى تَستَقِرّ. و«كانَ يُريدُ» تَمُدُّ المُعاوَدةَ فلا تَجعَلُ لَها آخِراً.
ومَن لم يَنقَطِعْ طَلَبُه صارَ الطَّلَبُ نَفسُه حالَه.
«الْعَاجِلَةَ»: اسمٌ يُؤخَذُ من السُّرعةِ لا من المَوضِع
«العاجِلة» اسمُ فاعِلٍ لا اسمُ مَفعول. هي التي تَعجَل، لا التي يُعجَلُ بِها. ولم يُذكَرْ لَها مَوصوفٌ تَجري عَلَيه: صِفةٌ قامَت مَقامَ ما تَصِفُه، وما تَرَكَتهُ الآيةُ بِلا اسمٍ لا يُسَمّى.
وجَذرُها ع-ج-ل: ما يَنبَثِقُ من العُمقِ بارِزاً ثُمَّ يَتَعَلَّقُ ويَمتَدّ. فالعَجَلةُ بُروزُ الشَّيءِ قَبلَ أوانِه، ثُمَّ تَعَلُّقُ طالِبِه بِه. والاسمُ الذي اختارَتهُ الآيةُ لِلمَطلوبِ مَأخوذٌ من سُرعَتِه هو، لا من قُربِه ولا من مَوضِعِه. وتُقابِلُهُ الآيةُ التاليةُ بِـ«الآخِرة»، واسمُها مَأخوذٌ من مَوضِعِها لا من سُرعَتِها. اسمانِ أحَدُهُما يَقولُ مَتى والآخَرُ يَقولُ أين.
ثُمَّ يَنزِلُ الجَوابُ بِالجَذرِ نَفسِه: «عَجَّلْنَا». والتَّضعيفُ يَشتَدُّ بِه الفِعل، و«فِيهَا» تَحبِسُ العَجَلةَ داخِلَ المَطلوبِ نَفسِه، فلا يُعَجَّلُ لَه شَيءٌ خارِجَها. مَن سَألَ بِلَفظٍ أُجيبَ بِه، ولم يُزَدْ عَلَيه.
«مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ»: قَيدانِ من جَذرَينِ يَفعَلُ كُلٌّ منهُما فِعلَه
قَيدانِ لا قَيدٌ واحِد. الأوَّلُ على الشَّيء: «ما نَشاءُ». والثّاني على الشَّخص: «لِمَن نُريد». ولَو كانَ الثّاني تَوكيداً لِلأوَّلِ لَجاءا من جَذرٍ واحِد، وهُما جَذرانِ.
ش-ي-أ اقتِطاعُ واحِدٍ من مُنتَشِر: سَريانٌ دَقيقٌ لا حَدَّ لَه من نَفسِه، ثُمَّ هَمزةٌ تَقطَعُ منه واحِداً دَفعة. فـ«ما نَشاءُ» قَدرٌ مَقصوصٌ من مَبسوطٍ لم يُذكَرْ حَدُّه. و ر-و-د تَرَدُّدٌ يَتَّصِلُ بِمَقصِدِه حتّى يَثبُت. فـ«لِمَن نُريدُ» طَرَفٌ يوصَلُ بِه، وتَزيدُهُ اللّامُ اتِّصالاً. هذا يَقطَعُ وذاكَ يَصِل: المُعَجَّلُ يُقَصُّ على قَدرِه، والمُعَجَّلُ لَه يوصَلُ وَصلاً.
وانظُر ما صَنَعَتهُ اللّامُ مَرَّتَين. قيلَ أوَّلاً «عَجَّلْنَا لَهُ»، فاستَقَرَّتِ اللّامُ على صاحِبِ الشَّرط. ثُمَّ عادَتِ اللّامُ في «لِمَن نُريد»، فأُعيدَ تَعيينُ صاحِبِها بَعدَ أن ذُكِر. نَزَلَ الشَّرطُ على «مَن»، ولم يَستَقِرَّ الجَزاءُ عَلَيه حتّى أُعيدَ تَعيينُ مَن هو لَه.
والإرادَتانِ في الجُملةِ من جَذرٍ واحِدٍ ووَزنٍ واحِد، «يُرِيدُ» و«نُّرِيدُ»، لا يَفصِلُ بَينَهُما إلّا حَرفُ المُضارَعة. وإرادةُ الرَّجُلِ مَذكورةُ المُراد، «العاجِلة»، وإرادةُ المُتَكَلِّمِ عارِيَةٌ لا مُرادَ لَها في اللَّفظ. الذي سَمّى ما يُريدُ حُدَّ بِما سَمّى، والذي لم يُسَمِّ لم يُحَدّ.
«يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا»: فاعِلٌ في الفِعلِ مَفعولٌ في الوَصفَين
«ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ». عادَتِ اللّامُ إليه، ولم يَتبَعْها هذه المَرّةَ ما يُعيدُ التَّعيين. الأولى قُيِّدَت والثّانِيَةُ لم تُقَيَّدْ. ما عُجِّلَ قد لا يَستَقِرُّ لَه، وما جُعِلَ لَه فقد استَقَرّ.
و«يَصْلَاهَا» فِعلٌ هو فاعِلُه. الجَذرُ ص-ل-ي لُصوقٌ يُمسِكُ ويَجري إلى غَيرِ غايةٍ يَقِفُ عِندَها، ومنه صَلِيَ النّارَ إذا لَزِمَها فوَجَدَ لَفحَها في بَدَنِه، ومنه اصطَلى إذا دَنا منها يَلتَمِسُ حَرَّها. فالضَّميرُ العائِدُ على جَهَنَّمَ مَنصوبٌ والصّالي مَرفوع: هو يَلزَقُ بِها، ولَيسَت هي تَأخُذُه. ولامُ الكَلِمةِ في هذا الجَذرِ ياءٌ تُطلِقُ الامتِدادَ إلى ما بَعدَه بِلا رَبطٍ يَرُدُّه، فلا رَجعةَ في هذا اللُّصوق.
ثُمَّ حالانِ اثنانِ على وَزنِ مَفعول: «مَذْمُومًا مَّدْحُورًا». فهو في الفِعلِ فاعِل، وفي الحالَينِ مَفعول. و«مَذْموم» من ذ-م-م: نَفاذٌ حادٌّ يَتَجَمَّعُ ويَلتَصِق، عَيبٌ يَلحَقُ بِصاحِبِه فيَلزَمُه. و«مَدْحور» من د-ح-ر: دَفعٌ يَنفُذُ ويَخلُصُ خارِجاً ثُمَّ يَجري، إبعادٌ لا يُتِمُّ صاحِبُه خُطوَتَه. وَصفانِ في جِهَتَينِ مُتَعاكِسَتَين: هذا يُلصَقُ بِه وذاك يُبعِدُه. مُمسَكٌ بِما لَزِقَه، مَدفوعٌ عَمّا سِواه.
طَلَبَ ما يَعجَلُ فأُدرِكَ بِما لا يُفارِق.
حَصيلة
شَرطٌ يَبتَدِئُ بِـ«كانَ يُريدُ» لا بِـ«أرادَ»، فيُوصَفُ بِه حالٌ تُقيمُ لا واقِعةٌ تَمُرّ. والمَطلوبُ اسمٌ مَأخوذٌ من سُرعَتِه، «العاجِلة»، التي تَعجَلُ ولا يُعجَلُ بِها، ولم يُذكَرْ لَها مَوصوف. فيَنزِلُ الجَوابُ بِجَذرِ الطَّلَبِ نَفسِه، «عَجَّلْنا»، مَحبوساً «فِيهَا» لا يَتَجاوَزُها. ثُمَّ قَيدانِ من جَذرَين: «ما نَشاءُ» يَقتَطِعُ القَدرَ من مَبسوطٍ لم يُحَدّ، و«لِمَن نُريدُ» يوصَلُ بِالشَّخصِ ويُعيدُ تَعيينَ اللّامِ التي كانَت قد قيلَت «لَهُ». وإرادَتانِ لا يَفصِلُ بَينَهُما إلّا حَرفُ المُضارَعة، إحداهُما سَمَّت مُرادَها فحُدَّت بِه والأُخرى لم تُسَمِّ. ثُمَّ تَعودُ اللّامُ ثانيةً بِلا تَعيينٍ يَعقُبُها: «جَعَلْنا لَه جَهَنَّم». فيَلزَقُ بِها هو مَرفوعاً فاعِلاً، ويَحمِلُ حالَينِ هو فيهِما مَفعول: عَيبٌ يَلتَصِقُ ودَفعٌ يُبعِد. القَيدُ كانَ على ما عُجِّل، ولم يَكُنْ على ما جُعِل.