المسد · الآية 3

﴿سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ

«سَيَصلى»: الفِعلُ يَضَعُه في النارِ، لا النارَ عَلَيه

والجذرُ ص-ل-ي في اللسانِ يَدُلّ على المُلامَسَةِ المُباشِرَةِ للنار، فمَن صَلَى النارَ دَخَلَ فيها وذاقَ حَرَّها. وهو غَيرُ «أَحرَقَ»، فالإحراقُ يَفعَلُه الفاعلُ على المَفعول، أمّا «صَلى» ففِعلٌ يَقَعُ من المَلموس بالنار، فيَدخُلُ هو فيها. ولذلك نَصَبَ الفِعلُ هنا مَفعولَه: «سَيَصلى ناراً»، فهو الذي يَصلى، أي يُلامِسُ ويُقاسي، وليست النارُ هي التي تُلقى عَلَيه.

والصيغةُ في الآيةِ على المَبنيِّ للمَعلوم، غَيرَ أنَّ الفِعلَ في باطِنِه قَريبٌ من المَجهول، فلا فاعِلَ خارجَه يَدفَعُه، وكأنَّ المُلامَسَةَ تَجري بِحَركَةٍ ذاتِها. ومَن جَفَّ في الأُولى، ولم يُغنِه ما في يَدِه في الثانية، يَنتَهي بِنَفسِه إلى المَوضِع الذي يَستَجيبُ لِبُنيَتِه، والجافُّ يَنجَذِبُ إلى النار، ولا يُحمَلُ إلَيها.

وفي البَقَرة: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، والنارُ في الكتابِ تَأخُذُ وَقودَها مِمَّن يَدخُلُها، والإنسانُ والحَجَرُ كِلاهما مَوصوفانِ بأنَّهما وَقود، أي مادَّةٌ تُغَذّي اللَّهَب. وفي المَسَدِ يَدخُلُ الذي تَكَنّى باللَّهَبِ في الدنيا ناراً ذاتَ لَهَب، فَتَغتَذي بِما هو فيه، ويَجِدُ اللَّهَبُ الذي حَمَلَه في كَنيَتِه ما يُغذّيه أَخيراً في صاحبِه.

«ناراً ذاتَ لَهَب»: النارُ التي صِفَتُها الذاتيَّة لَهَبٌ، وهي صِفَةُ كَنيَتِه

و«ذاتَ» في اللسانِ تَدلّ على الصِّفَةِ الذاتيَّةِ المُلازِمَةِ للشَّيء، لا العَرَضيَّة، و«ذاتَ لَهَب» نارٌ لَهَبُها مِن طَبيعَتِها، لا زائدٌ عَلَيها. فَلمَّا قِيلَ «ذاتَ لَهَب» قِيلَ في حَقِّ النارِ ما يُقابِلُ ما اختارَه الرَّجلُ في حَقِّ نَفسِه، فهو «أبو لَهَب»، وهي «ذاتُ لَهَب»، والإضافَتان مُتَوازيَتان: أَبٌ للَّهَب، وذاتٌ للَّهَب، وكَنيَتُه ولَّدَت نَعتَ مَآلِه.

والنارُ في الكتابِ مَذكورَةٌ بأَسماءٍ مُختَلِفَة: الجَحيم، والحُطَمَة، والسَّعير، ولَظى، وكلُّ اسمٍ يَكشِفُ صِفَةً. وقد اختارَ الكتابُ هنا «ناراً ذاتَ لَهَب» لِيَقَعَ النَّعتُ على الجَذرِ نَفسِه الذي بِه عُرِفَ الرَّجلُ، والجَذرُ ل-ه-ب يَتَكَرَّرُ في كَنيَتِه وفي نارِه، وما تَزَيَّنَ به في حَياتِه يَكون مادَّةَ مَوقِفِه في الآخِرة.

والإعجازُ في هذا التَّقابُلِ بِنيَةٌ مُحكَمَة، زِيادةً على ما فيه من سَجعٍ صَوتيّ: ما يَنبَعِثُ في «لَهَب» من امتِدادٍ مع نَفَسٍ حارّ يَخرُج يُرَدّ على صاحبِه ناراً تَنبَعِثُ بِهذا الانبِعاثِ نَفسِه، والكَنيَةُ التي اختارَها لِنَفسِه تُعادُ علَيه لَمَعاناً في عَذابِه. والقرآنُ لا يُسَمّيه باسمِه الذي وُلِدَ به، لأنَّ هذا الاسمَ لا يَنفَعُه فيما هو فيه، ويَترُكُ له كَنيَتَه، ويَجعَلُها مُتَّسِعةً لِما يَنتَظِرُه.

السِّينُ القَريبَة: زَمَنُ الآيةِ يَفتَحُ بابَ المَآل

والسورةُ تَتَنَقَّلُ في آياتِها الثَّلاثِ الأُولى بَينَ زَمَنَين: الماضي في الأُولى («تَبَّت ... وَتَبّ»)، والماضي في الثانية («ما أَغنى ... وَما كَسَب»)، والمُستَقبَلُ القَريبُ في الثالثَة («سَيَصلى»)، والجَفافُ والإفلاسُ قد وَقَعا، والمُلامَسَةُ بالنارِ قَريبَة، والزَّمَنُ في الآيةِ يَتَدَرَّجُ مِمّا تَمَّ إلى ما يَتِمّ.

والسِّينُ، حَرفُ التَّسويفِ القَريب، تَفعَلُ شَيئاً لَطيفاً، فهي تُبَقّي بَينَ الفِعلِ ووُقوعِه فاصِلاً يَسيراً يَسمَعُ فيه الإنسانُ ما يَنتَظِرُه قَبلَ أن يَلقاه، فيُكشَفُ في الدنيا عَمّا هو حاصلٌ بَعدَ المَوت، ولا يُؤجَّلُ الإخبارُ إلى ما بَعدَه. والقارِئُ، حين يَسمَعُ السينَ، يَجِدُ نَفسَه في المَوضِعِ الذي يَنبَغي أن يُراجِعَ فيه نَفسَه: هل لِما يَنتَظِرُه اسمٌ يُقالُ في حَقِّه بِالاسمِ نَفسِه الذي تَكَنّى به في حَياتِه؟


حَصيلة

يَتَحَوَّلُ الزَّمَنُ مع السِّين: «سَيَصلى»، وهو المُستَقبَلُ القَريب، واليَقينُ المُؤجَّل. و«صَلِيَ» (ص-ل-ي) دُخولٌ في النارِ وتَلَقِّيها على الجَسَد، فهو الذي يَصلاها، وليست النارُ هي التي تُلقى عَلَيه، والفِعلُ مُتَعَدٍّ يَضَعُه في النارِ لا النارَ عَلَيه. و«ناراً ذاتَ لَهَب» نارٌ مَوصوفَةٌ بِصِفَتِها الذاتيَّة، وهي اللَّهَب، و«اللَّهَب» الشُّعلَةُ التي ترتَفِع، وهو اسمُ الرَّجُلِ نَفسِه: «أبو لَهَب»، والنارُ التي يَدخُلُها تَحمِلُ اسمَه، وقد اختارَ لِنَفسِه كَنيَةَ اللَّهَب، فَسيَصلى ناراً ذاتَ لَهَب.