التكاثر · الآية 4

﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ

«ثُمَّ»: التَّمَهُّلُ الذي يَزيدُ الوَطأَة

و«ثُمَّ» في العَرَبيَّةِ حَرفُ تَعقيبٍ مَعَ تَراخٍ، تَختَلِفُ عن الفاءِ التي تُلاصِق، وعن الواوِ التي تُجامِع، وتَترُكُ بَينَ الجُملَتَين فَجوَةً تَنتَظِر، وكُلُّ فَجوَةٍ تَنتَظِرُ في القُرآنِ مَوعِدٌ يَحمِلُ مَعنى. والفَجوَةُ هنا بَين «كَلَّا» الأُولى و«كَلَّا» الثانيَةِ هِيَ المَهلَة، ومَن يُعطى مَهلَةً ثُمَّ يَعودُ إلى دَيدَنِه تَكونُ المَهلَةُ نَفسُها شاهِداً عَلَيه.

وتُذَكِّرُ البَقَرَةُ في غَيرِ مَوضِعٍ بهذا المَنطِق: ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، و«ثُمَّ» هناك مَهلَةُ بَعثٍ بَعدَ مَوت، يُرجى أن يَكسِرَها الشُّكر، ومَن لَم يَنكَسِر بِها لِلشُّكرِ تَنكَسِرُ هي عَلَيه بِالحِساب. والسورَةُ هنا تَفعَلُ المَنطِقَ نَفسَه، فـ«ثُمَّ» تُعطي السامِعَ فَجوَة، فإن مَلَأَها بالعَودَةِ نَجا، وإن مَلَأَها بالغَفلَةِ صارَت ضَربَةً ثانيَة.

إعادَةُ «كَلَّا سَوفَ تَعلَمون» بِنَصِّها: التَّوكيدُ كَفِعلٍ يَكسِر

والتَّكرارُ بِاللَّفظِ نَفسِه أَشَدُّ مِنَ التَّكرارِ بِمُرادِف، ولو جاءَ «ثُمَّ كَلَّا سَتَعرِفون» لَكانَ ذلك تَنويعاً، والتَّنويعُ يُلَطِّف. وإعادَةُ الجُملَةِ نَفسِها «كَلَّا سَوفَ تَعلَمون» تَقولُ: لا أُغَيِّرُ كَلِمَةً واحِدَة، لِأنَّ الكَلامَ المَوزونَ يَحتاجُ إلى أن يَنزِلَ مَرَّتَين على الأُذُنِ نَفسِها، وهو في غِنىً عن التَّنويع.

وَفي هذه الإعادَةِ شَيءٌ مِنَ المَوقِفِ الذي تَقِفُه الأُمُّ مَعَ الطِّفلِ المُكابِر، تَقولُ له الجُملَةَ مَرَّة، فَإن لَم يَستَجِب قالَتها مَرَّةً ثانيَةً بالنَّبرَةِ نَفسِها، لا تَزيدُ ولا تُنقِص، والنَّبرَةُ نَفسُها بَعدَ مَهلَةٍ هي الضَّربَة. وَالقُرآنُ هنا يُعامِلُ المُتَكاثِرَ مُعامَلَةَ الطِّفلِ المُكابِر، فإن لَم يَفهَم جاءَتهُ الجُملَةُ مَرَّةً ثانيَةً بلا تَفسير، إذِ الجُملَةُ نَفسُها هي التَّفسير.

لمَ ثَلاثُ كَلَّات؟

وتَستَعمِلُ السورَةُ «كَلَّا» ثَلاثَ مَرّات: مَرَّتانِ هنا (الآيَتانِ ٣ و٤)، وَالثالِثَةُ في الآيَةِ الخامِسَةِ مَعَ تَحَوُّلٍ في الصِّياغَةِ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾. فالأُولى رَدع، والثانيَةُ تَوكيدُ الرَّدع، والثالِثَةُ فَتحُ بابِ المَعرِفَة، وكأنَّ النَّصَّ يَصنَعُ سُلَّماً: «كَلَّا، كَفَى»، ثُمَّ «كَلَّا، أَقولُها مَرَّةً ثانيَة»، ثُمَّ «كَلَّا، لو كُنتُم تَعلَمون»، فهي ثَلاثُ مَراحِلَ تَلتَقي عند مَعرِفَةٍ آتيَة.

والثَّلاثُ في العَرَبيَّةِ عَدَدُ التَّمام، فالمَرَّةُ لِلَّفت، والثانيَةُ لِلتَّوكيد، والثالِثَةُ لِلإلزام، ومَن لَم يَنكَسِر بَعدَ ثَلاثٍ فقد كانَ السَّقفُ مَكسوراً قَبلَ أن تَدخُلَه الكَلِمَة.


حَصيلة

تُعيدُ الآيَةُ ما قَبلَها كَلِمَةً بِكَلِمَة، وَتُضيفُ «ثُمَّ» في مُقَدِّمَتِها، و«ثُمَّ» حَرفُ تَعقيبٍ مَعَ تَراخٍ يَترُكُ بَينَ الجُملَتَين فَجوَةً، وَهذه الفَجوَةُ هي المَهلَة، فقد أُمهِلَ السامِعُ بَعدَ الآيَةِ الثالِثَةِ لَحظَةً، فَإن لَم يَنكَسِر جاءَتِ الكَلِمَةُ نَفسُها مَرَّةً ثانيَة. وَالتَّمَهُّلُ أَشَدُّ مِنَ السُّرعَة، فقد مُنِحَ ثانيَةً لِيَستَيقِظ، فَلَم يَستَيقِظ، فَجاءَت.

وَالتَّكرارُ بِاللَّفظِ نَفسِه أَشَدُّ مِنَ التَّكرارِ بِمُرادِف، والتَّنويعُ يُلَطِّف، وَإعادَةُ الجُملَةِ نَفسِها تَقولُ: لا أُغَيِّرُ كَلِمَةً، لِأَنَّ حاجَةَ الكَلامِ المَوزونِ أَن يَنزِلَ مَرَّتَين على الأُذُنِ نَفسِها، دونَ التَّنويع. وفي السورَةِ ثَلاثُ كَلّاتٍ يَزيدُ الوَزنُ مَعَ كُلِّ تِكرارٍ مِنها.

وَتُوازي البَقَرَةُ هذا المَنطِق: ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فـ«ثُمَّ» هُناكَ مَهلَةُ بَعثٍ بَعدَ مَوت، يُرجى أَن يَكسِرَها الشُّكر، ومَن لَم يَنكَسِر بِها لِلشُّكرِ تَنكَسِرُ هي عَلَيه بِالحِساب. وَالسورَةُ هُنا تَفعَلُ المَنطِقَ نَفسَه، فـ«ثُمَّ» فيها فَجوَةٌ تَتلوها «كَلَّا».