التكاثر · الآية 3

﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ

«كَلَّا»: حَرفانِ يَنفيانِ كُلَّ ما قَبلَهُما

و«كَلَّا» في العَرَبيَّةِ رَدعٌ، وليسَت أَداةَ نَفيٍ كَـ«لا» أو «ما»، ومَعناها الجامِعُ: اِرتَدِع، فالأَمرُ ليسَ كَما ظَنَنتَ. تَستَعمِلُها العَرَبُ حينَ يَسمَعونَ قَولاً مُتَجاوِزاً، أو يَرَونَ فِعلاً يَنبَغي إيقافُه، ولذلك جَمَعَت «كَلَّا» نَفياً ووَعيداً ووَعداً، فهي تَنفي ما قَبلَها، وَتُثَبِّتُ ما بَعدَها، وَتُهَدِّدُ بِما لَم تَنطِق به.

ووَقَعَت في السُّورَةِ في مَوضِعٍ دَقيق، بَعدَ آيَتَينِ عَنِ التَّكاثُر، وكأنَّ النَّصَّ ظَلَّ يُسَرِّبُ له المَجالَ حَتَّى رَأى السامِعَ يَتَوَرَّطُ فيه إلى آخِرِ المَطاف، ثُمَّ ضَرَبَ الكَلِمَةَ ضَربَ جَرَسٍ يَكسِرُ الحُلم، فالذي كانَ يَدخُلُ المَقابِرَ زائِراً يَستَيقِظُ على «كَلَّا» تُقالُ في وَجهِه، ومَعناها أن كَفى، فالحِسابُ آتٍ.

«تَعلَمون» بلا مَفعول: العِلمُ الذي يَفتَحُ المَستور

وجاءَ الفِعلُ «تَعلَمون» هنا مُجَرَّداً من المَفعول، وهذا اختيارٌ بَلاغيّ، فلَو حَدَّدَ النَّصُّ ما سَيُعلَم لَحَجَزَ المَعرِفَةَ في زاوِيَة، وقد تَرَكَها مَفتوحَةً عَلى كُلِّ ما يَجوزُ أن يُكشَف: مَوقِعِ المَرءِ مِن آخِرَتِه، وحِسابِه على ما عَدّ، وحَقيقَةِ مَن كانَ يُكاثِرُه، وضَآلَةِ ما كَدَّس. والجَهلُ الذي بَنى عَلَيه التَّكاثُرُ بَيتَه سَيُهدَم.

وأَصلُ ع-ل-م وَضعُ عَلامَةٍ تُمَيِّزُ الشَّيء، فالعِلمُ في العَرَبيَّةِ وَضعُ عَلامَةٍ على ما كانَ مَستوراً، وتَمييزُ ما كانَ مُختَلِطاً، ولا يَقِفُ عِندَ تَخزينِ المَعلومات. ويَومُ القيامَةِ يَومُ عَلامَة، يَأخُذُ فيه كُلُّ شَيءٍ عَلامَتَه. وكانَ التَّكاثُرُ خَلطاً، إذ تَختَلِطُ كَومَةُ المَكاسِبِ ولا يُعرَفُ نافِعُها مِن ضارِّها، والعِلمُ الآتي يَفصِلُ بَعضَها عَن بَعض، فمَعنى سَوفَ تَعلَمون: سَيَأخُذُ كُلُّ شَيءٍ عَلامَتَه التي يَستَحِقُّها.

جَمعُ الخِطابِ: لا فُكاكَ بالعُزلَة

وما زالَتِ الآيَةُ تُخاطِبُ الجَمعَ في «تَعلَمون»، والتَّكاثُرُ كانَ جَماعيّاً، فالعِلمُ الكاسِرُ له جَماعِيٌّ كَذلِك، ولا يَنفَلِتُ مِن «سَوفَ تَعلَمون» مَن يَقول: «أنا لَم أُكاثِر»، والجَماعَةُ التي عاشَت في هَواءِ التَّكاثُرِ تَتَنَفَّسُ مَعاً وتَستَيقِظُ مَعاً. والبَقَرَةُ تَفتَحُ هذا البابَ بِبِشارَةِ الجَماعَةِ الصّابِرَة وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، فمَن يَنكَسِرُ في وَجهِه التَّكاثُرُ يَنفَتِحُ في وَجهِه نِداءُ الصَّبر.


حَصيلة

«كَلَّا» تَكسِرُ الآيَةَ كَصَفحَةٍ تُغلَق، وهي رَدعٌ يُقالُ لِمَن استَرسَلَ في الخَطأ: كُفُّوا، كَفى، وليسَت «لا» العاديَّة. وَهي في القُرآنِ تَجمَعُ نَفياً وَوَعيداً في آنٍ واحِد. وما يَتبَعُها، «سَوفَ تَعلَمون»، أَشَدُّ مِنَ التَّعيين، فلَو قالَ «سَتَعلَمونَ النَّار» لَفَرَّ المُتَكاثِرُ إلى مَكانٍ في ذِهنِه يَتَوَقَّعُه، وقد أوثِرَ «تَعلَمون» مُجَرَّداً، فدَخَلَ كُلُّ ما غَطّاهُ العَدُّ في حَوزَةِ ما سَيُكشَف.

وَ«سَوفَ» مُستَقبَلٌ مَوعودٌ مُحَتَّم، فَوقَ دَلالَتِها على الاستِقبال. وَأَصلُ (ع-ل-م) وَضعُ عَلامَةٍ تُمَيِّزُ الشَّيء، والعِلمُ الآتي يَضَعُ عَلامَةً على كُلِّ ما كانَ مُختَلِطاً في صَومَعَةِ التَّكاثُر. وَالخِطابُ جَمعٌ في «تَعلَمون»، فلا فُكاكَ بِالعُزلَة، والتَّكاثُرُ مَرَضٌ جَماعيٌّ، وَالكَلّا تَنزِلُ جَماعيَّة.

وتَعرِضُ آلُ عِمرانَ الوَجهَ الآخَرَ مِنَ العِلمِ الذي يَكسِر: وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾، فمَن عَلِمَ أَنَّ ما عِندَ اللهِ خَيرٌ انكَسَرَت فيه حُمَّى الإحصاء، وَمَن لَم يَعلَم جاءَه العِلمُ مِن بابٍ آخَر، وَهو ما تُعلِنُه «سَوفَ تَعلَمون».